علي بن زيد البيهقي
333
تاريخ بيهق
هنيئا لكم يا أهل غزنة قسمة * خصصتم بها فخرا ونلتم بها عزّا دراهمنا تجبى إليكم وثلجكم * يردّ إلينا ، هذه قسمة ضيزى وإن القحط الذي وقع بنيسابور سنة إحدى وأربع مئة ، إنما كان سببه تلف الغلال من ذلك البرد ، وقد عمّ ذلك القحط أيضا خراسان والعراق ، لكنه كان شديدا في نيسابور ونواحيها ، حتى إنه أحصي عدد الذين ماتوا بنيسابور من الناس فبلغوا أكثر من مئة ألف وسبعة - كما ذكر ذلك أبو النصر العتبيّ في كتاب اليميني « 1 » - وقيل إن عددا من المقابر قد فتحت وأخرجت العظام البالية منها للاستفادة منها ، وبلغ الحال أن الأمهات والآباء كانوا يأكلون أولادهم ، وقد ذكر الإمام أبو سعد الخركوشيّ في تاريخه « 2 » ، أن كل محلة كانت تنقل في اليوم ما يزيد على أربع مئة جنازة إلى المقابر . ولم يكن سبب ذلك القحط هو قلة الطعام فحسب ، بل استيلاء الجوع الكلبي على الناس . ورد في كتاب اليميني بأنه كان هناك في تلك الأيام طباخ في السوق وضع عدة أمنان من أصناف من الخبز في دكانه ، إلا أن أحدا لم يشتر منها ، على الرغم من أن ثمن
--> ( 1 ) في اليميني « أن الموتى كانوا مائة ألف أو يزيدون . . . ثم ترقى الأمر إلى أن أكلت الأم ولدها والأخ أخاه والزوج زوجته » ( الورقتان 146 أ - 146 ب ) ولا يخلو كلامه من مبالغة إذ أن العاطفة الإنسانية تأبى ذلك أشد الإباء . وبعد أن فصل العتبيّ الكلام فيما أنزله ذلك القحط بالناس من كوارث قال إن السلطان محمود الغزنويّ « أمر بالكتب إلى عماله بصبّ الأموال على الفقراء والمساكين ، فاستبقى اللّه بها مهجات قوم قد أشرفت على الهلاك » ( الورقة 148 أ ، انظر أيضا : مجمل فصيحي ، 2 / 115 ) . ( 2 ) هو عبد الملك بن محمد المتوفى سنة 427 ه ، وقد نقل من تاريخه هذا في لباب الأنساب ( 2 / 492 ) دون أن يحدد له عنوانا . ومع ذلك يوجد في اليميني نص يقول : « وحكي عن الأستاذ أبي سعيد عبد الملك بن [ أبي ] عثمان الواعظ . . . أنه نقل من دار كان يسكنها المرضى والزمنى من الفقراء وأبناء السبيل في يوم واحد من أيام هذه السنة أربع مئة ميت من برح الجوع » ( الورقة 147 ب ) . ويبدو أن تلك الدار هي التي كان قد بناها للمرضى ووقف عليها الأوقاف ( سير أعلام النبلاء ، 17 / 257 ، الأعلام ، 4 / 163 ) .