علي بن زيد البيهقي

281

تاريخ بيهق

قال مصنف هذا الكتاب : رأيت المصطفى صلوات اللّه عليه في المنام بنيسابور فقال لي : « من قال فيما لا يدري : لا أدري ، فهو أعلم الناس » . وفي ذلك سر عظيم ، فإن كل ضلالة تلقي بظلها على العالم ، إنما تأتي من عدم اعتراف الجاهل بجهله ، وقوله في الدين بما لا يعلم ، وخداع العوام عادة بتقوى ظاهري التقوى ممن لا علم لهم فيطلبون العلم منهم ، ويرى أولئك الجهلة الفضيحة والعار لو أنهم اعترفوا بجهلهم ، وأن الناس سيبتعدون عنهم ، لذا فهم يتكلمون بما لا يعلمون ، وبحكم صلاح ظاهرهم يتلقى الناس كلامهم - بحسن ظن - بالقبول والإصغاء ، لتجد الضلالات والبدع طريقها إلى عالم الوجود . وإن أصل كل ضلالة دخلت أديان موسى وعيسى ومحمد ، صلوات اللّه عليهم ، هو من الجاهل الظاهر الصلاح الخالي من العلم [ 144 ] ومنذ أن خلق اللّه العالم ، كان عادة العوام في كل مكان أن يكونوا مريدين للجاهل الظاهر الصلاح الزاهد سليم القلب ، وكلامه أكثر إقناعا ، وأسرع قبولا لديهم ؛ وإن اقتلاع هذا البلاء من بين الناس صعب . ولقد عجز علماء الأمم عن أن يبعدوا العوام عن ظاهري الصلاح سليمي القلوب الجهلة ، فإن أرادوا يوما أن يظهروا بطلان عمل أولئك الجهلة من أهل الصلاح الظاهر ، راج سوقهم ، وازداد إقبال عوام الناس عليهم . فلا ينبغي أن تعطى الأولوية للصلاح في أول صحيفة العلماء ؛ لأن الصلاح المطلق مدح للنساء ، قال اللّه تعالى : وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ « 1 » ، وقال اللّه تعالى : مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ « 2 » ؛ فالنساء هن اللواتي يجب أن يتزّين بالصلاح والعفة ، وأما صفات النساء الأخرى فهي تبع للصلاح . وفي باب

--> ( 1 ) سورة النور ، الآية 32 . ( 2 ) سورة التحريم ، الآية 5 .