علي بن زيد البيهقي
228
تاريخ بيهق
عرف ذلك فإن كل عسير عليه يهون ؛ والراحة موصولة بالعناء ، والبقاء مقرون بالفناء ؛ والملك سبب للعزل ، والجد موجب للهزل ؛ فرحم اللّه امرءا نظر لغده ، وما جر المهالك إلى نفسه بيده ؛ ونظر إلى الدنيا شزرا ، وعلم أن مع مدّها جزرا ، والسلام . وذهب يوما إلى ديوان عميد الملك سيد الوزراء أبي نصر الكندريّ « 1 » - وكان المجلس غاصا بكبار الشخصيات - ، فأشار بيده إلى عميد الملك ، وبدأ بتلاوة هذه الآية وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ، وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ « 2 » ، فاغرورقت أعين جميع الحاضرين فجأة بالدموع ونالوا نصيبهم من تلك الموعظة ، وكلما أراد عميد الملك أن يخلع عليه رفض قائلا : إنني أريد إنعاما عاما ، وهو العدل ، وليس الإنعام الخاص ، لأن الإنعام الخاص لا يثمر شيئا في أيام [ 111 ] الظلم والجور ، بينما كان الإنعام العام سبب عمارة العالم ، فقال عميد الملك : إنه لمن المؤسف ، إن يقيم من هو مثلك في الرستاق « 3 » ، فقال : أيها الوزير : إن الطريق من كل البقاع والمواطن إلى عرصات القيامة واحدة ، وليس هناك طريق أبعد أو أقرب من غيره ، فبكى عميد الملك طويلا وأمر أن يغلق الديوان إلى آخر ذلك اليوم . فلما أراد جدي الانصراف قال : أيها الوزير ! لا تغفل عن تلك النار ذات اللهب المتصاعد ، ولا تجعل حطام دنياك وقودا لنار جهنم ، واعلم أن لنفسك عليك حقا ، وحقها أن تعتقها من عذاب اللّه تعالى بما أعطاك اللّه . وقد كتب الوزير أبو العلاء محمد بن علي بن حسول « 4 » - الذي كان وزيرا لمجد
--> ( 1 ) الوزير السّلجوقيّ أبو نصر محمد بن منصور المقتول سنة 456 ه وقد ذكر المؤلف هذه الواقعة بشكل واف في غرر الأمثال ( 353 أ - 353 ب ) . ( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية 45 . ( 3 ) الرستاق : معرب روستا الفارسيّة وتعني القرية . ( 4 ) الكاتب الهمذاني المتوفى سنة 450 ه ( مجمل فصيحي ، 2 / 174 ؛ الأعلام ، 6 / 276 ) .