علي بن زيد البيهقي

192

تاريخ بيهق

الإفطار ، أحضروا الشيخ أبا الحسن البندار ، فجلس وقد عزل نفسه إثر ما لاقاه من المشقة ، مانعا نفسه من تناول الطعام . واتفق أن التفت إليه سوري ، فقال أيها الشيخ ! إن الصفاء على الإفطار شرط في رمضان ، فرد الشيخ أبو الحسن : لم يبق مجال للغذاء ، لأن الطبيعة والمزاج متلاشيان ، والقلب محترق ، والحيرة قد استولت على الفكر ، ثم ما حاجتي إلى الغذاء ولم يبق لي إلا الوقت القليل للوصول إلى الآخرة ؟ وزاد الآخرة ليس الطعام والشراب ، بل الإيمان والعمل الصالح والتوبة والإنابة ، إن كل الذي جمعته طيلة حياتي ، قد أخذته مني لأجل سد النقص الحاصل في الأموال المنكسرة ، كما تريد منّي خمسين ألف درهم ، وأنا ليست لي القدرة على جمعها وأدائها ، بل إنه مما لا يقدر سعي الناس عليه : ومن لم ير الإيثار لم يشتهر له * فعال ولم يبعد بسؤدده ذكر وإن الذي أعطي عقله ثمرة التمييز ، ووجهه النور المتلألئ وأفعاله علامة الرئاسة ، يعذرني من تناول الطعام : لو كنت تعلم ما شجوي وما شجني * رقّت عليّ حواشي قلبك الخشن فنادى سوري بفظاظة طبعه وغلظته على الدواتي أن يحضر الخريطة « 1 » ، فقابل الدواتي الأمر بالانقياد والامتثال ، فمزق سوري من تلك القبالة مقدار عشرين ألف درهم [ 82 ] ورمى الورقة أمام الشيخ أبي الحسن وقال : إن هذا المبلغ لا يستحق من الرجل الامتناع عن الطعام ، وإن أحرم أنا من مؤاكلته . فقال الشيخ أبو الحسن : يا عميد خراسان ! لقد زينت وجه العظمة بنور كرمك ، ونشرت بالمحامد والمآثر سماء المعالي ، وكانت مناقبك النجوم الثواقب لدروع الأيام : ولبست منك مواهبا منشورة * لو كنّ في فلك لكنّ نجوما

--> ( 1 ) الخريطة : وعاء من جلد أو نحوه يشد على ما فيه من صحف ونحوها ( معجم لغة الفقهاء ، 195 ) ، وتعني الإضبارة . والدواتي من يحمل الدواة وتعني الكاتب .