علي بن زيد البيهقي
105
تاريخ بيهق
إذا هم نكصوا ، كانوا لهم عقلا * وإن هم جمحوا ، كانوا لهم لجما « 1 » فإنهم يحفرون حول المدينة خندقا يحيطها كما تحيط الهالة القمر وقد سر المصطفى صلوات اللّه عليه من ذلك الكلام ، وقاس الواقعة التي هو فيها على الواقعة الماضية ، وأصدر أمره النبوي بحفر خندق يحيط بالمدينة بعرض عشرة أمتار وبعمق عشرة أيضا . في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر « 2 » ولأن المصطفى عليه السلام - مع كونه نبيا رسولا - قد انتفع من تواريخ وأخبار الماضين ، واستضاء بمصابيح أفكارهم في دفع البلاء ، فإن على العالمين الاقتداء بالمصطفى سيد ولد آدم صلوات اللّه عليه ، وأن يستفرغوا وسعهم في الاغتراف من بحار التواريخ وأنوار القصص ، والاعتقاد بأن ما فعله المتقدمون في حفظ مصالحهم ، ينبغي أن يكون درسا للمتأخرين : وريش الخوافي تابع للقوادم « 3 » فصل : وليس هناك من هو أشد حاجة لهذا العلم - التاريخ - من الملوك والأمراء ، لأن كل مصالح الخلق مرهونة بفكرهم ودرايتهم ، وكل ما يقع في الممالك من خير وشر ، فتدبيره ودفعه منوط بأوامرهم ؛ وهم بحاجة إلى معرفة الحوادث ، ووقائع الملك ، ومكائد الحرب ، والتدابير التي اتخذها الملوك السابقون ، كما يحتاج الأطباء إلى أصول ومعالجات وكتب المتقدمين ، والأدباء والفصحاء إلى كتب وتصانيف
--> ( 1 ) من قصيدة لأبي تمام في ديوانه ( 2 / 85 ) ، وفيه : « كانت لهم » في الصدر والعجز . ( 2 ) نسبه الجاحظ في البيان والتبيين ( 1 / 309 ) لقس بن ساعدة الإيادي ، وهو كذلك في ثمار القلوب ( ص 122 ) ومجمع الأمثال ( 1 / 111 ) . ( 3 ) البيت لبشار بن برد ( الأغاني ، 3 / 211 ) وفيه : ولا تحسب الشورى عليك غضاضة * فإن الخوافي عدة للقوادم