الرقيق القيرواني

94

تاريخ افريقية والمغرب

أخبار القضاة في أيامه كان عبد الرحمن بن زياد بن أنعم من جلّة المحدّثين والعلماء المتقدّمين ، منسوبا إلى الزّهد والورع ، متفنّنا في علم العربيّة والشّعر ، وكان يروى عن أبيه أبى أيوب الأنصارىّ وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ، ويروى هو عن سفيان الثّورى وأبى يوسف القاضي وكثير غيرهم . وولى القضاء بإفريقية ، الأولى في أيام بنى أميّة ، وولّاه مروان بن محمد ، ولمّا قدم على أبى جعفر مستنصرا على البربر ولّاه القضاء ، فبقى إلى أن توفى في أيام يزيد بن حاتم . وكان عبد الرحمن قد أسره الروم ، ومضوا به إلى القسطنطينية ، ثم أفتك فيمن أفتك من الأسارى في ناحية المشرق ، فكان يقول : أسرت أنا وجماعة معي ، فرفعنا إلى الطاغيّة ، فبينما نحن في حبسه إذ غشيّه عيد ، فبعث إلينا بأصناف من الطعام ، واتصل ذلك بامرأة الملك ، وكانت تقيّة عنده فمزقت ثيابها ، ونشرت شعرها وخمشت وجهها . وأقبلت إليه تقطرسما ، وقالت : « العرب قتلت أبى وأخي وزوجي ، وأنت تفعل بهم الذي رأيت ! » فغضب وقال : « علىّ بهم » فصرنا بين يديه سماطين ، فأمر سيّافه ، فضرب عنق رجل رجل منّا ، حتى قرب الأمر منى ، فحركت شفتىّ وقلت : « الله ربى لا أشرك به شيئا ، فأبصر فعلى » فقال : « قدموا شمّاس العرب - يريد عالمها - ، فقال لي : « نبينا - عليه السلام - أمرنا بها » قال : « وعيسى في الإنجيل » وأطلقنى ومن معي . ودخل يوما على أبى جعفر ، فقال له : « يا بن أنعم ، ألا تحمد الله الذي أراحك مما كنت فيه بباب مروان بن محمد » قال : « إمّا ما كنت أرى بباب مروان لا أرى اليوم شطره » قال : « فبكى لها أبو جعفر » ، قال : « فما منعك أن ترفع ذلك إلينا وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول » ، قال : « إني رأيت للسلطان سوقا وإنّما يرفع إلى كل سوق ما ينفق فيها » قال : « فبكى لها أبو جعفر » ثم رفع رأسه وقال : « كأنك كرهت صحبتنا ! » ،