الرقيق القيرواني
83
تاريخ افريقية والمغرب
من باب سالم وباب أصرم وعسكرا بين باب نافع وباب عبد الله ، وفي هذا المعسكر عمرو بن عثمان الفهري ، وكان قد سار معهم . ويقال : إنّ عدتهم كانت في ذلك اليوم مائة ألف وثلاثين ألفا ، وكان عمر يخرج إليهم في كل يوم فيحاربهم ، فلم يزالوا كذلك حتى ضاق أمرهم وأكلوا دوابّهم وسنانيرهم وكلابهم ، وأخذ الناس في أكل لحوم الخيل ، فغلا الملح حتى انتهى : أوقية بدرهم ، واضطرب على عمر أمره ، وضّج أصحابه وساءت آراؤهم ، فقال لمن معه من الجند : « قد كان أصابكم من الجهد أمر عظيم حتى قدمت عليكم ، ففرّج الله عنكم بعض ما كنتم فيه ، وقد ترون ما أنتم الآن فيه ، فإن شئتم خرجتم على ذراريهم وبلادهم وجعلت عليكم أي الرجلين شئتم : جميلا أو المخارق ، وأخرج في ناس من الجند فأغيره على نواحيهم ونحتكر الميرة ؟ قالوا « قد رضينا » قال : « وكان أبو حاتم الإباضى في ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا ؛ الخيل منها خمسة وثمانون ألفا ، فلما هم بالخروج قالوا : « تريد أن تخرج أنت ونبقى نحن في الحصار ! » ، فقال : « أقيم معكم اسرّح جميلا أو المخارق ومن أحببتم وأخرج أنا في أناس من الجند وأغير على نواحيهم ؟ » ، قالوا « نعم » فلما جاء إلى باب المدينة قالوا : « تخرج أنت ونقيم نحن ، لا تفعل » فغضب عمر وقال : « والله لأوردنكم ونفسي حياض الموت » . وجاءه وهو محصور كتاب خليدة بنت المعارك ، امرأته تخبره أن أمير المؤمنين استبطأه ، فبعث يزيد بن حاتم ، وهو قادم على إفريقية في ستين ألفا فقال : « لا خير في الحياة بعد هذا ! » . قال خداش بن عجلان : « فأرسل إلى فجئته ، وقد قام عرق بين عينه وهو علامة غضبه ، فأقرأنى الكتاب فدمعت عيناي ، قال : « مالك ؟ ! » قلت : « وما عليك أن يقدم عليك رجل من أهلك فتخرج من هذا الحصار فترجع إلى أمير المؤمنين فيوليك خراسان - وكانت مناه ، فقال : « تتحدث نسوة العتيك أنّ يزيدا أخرجني من الحصار ، إنّما هي رقدة حتى أبعث للحساب ، ارجع إلى أهلك واحفظ وصّيتى » ، وكان قد كتب وصيتة . قال خداش : فوصّى بما أحبّ ، وخرج من الغد فلم يزل يطعن ويضرب