الرقيق القيرواني
69
تاريخ افريقية والمغرب
إفريقية سنة أربع وعشرين ومائة ، فقدمها في شهر ربيع الآخر منها . فكتب إليه أهل الأندلس ، ومن بها من أهل الشام وغيرهم ، يسألونه أن يبعث إليهم واليا ، فبعث إليهم أبا الخطّار بن ضرار الكلبي فسار في البحر من تونس إلى الأندلس واليا عليها فأدّوا إليه الطاعة ، ودامت له البلاد ، فلم يمكث حنظلة بالقيروان إلّا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة الصفرى الخارجي بجمع عظيم من البربر ، وقد كان حين انهزم من المكنسة في قبائل البربر ، فزحف إلى حنظلة في عسكر لم ير أهل إفريقية مثله قطّ من البربر ولا أكثر منه ، وزحف أيضا حنظلة عبد الواحد بن يزيد الهوارى في عدد عظيم ، وكانا افترقا من الزّاب ، فأخذ عكاشة على طريق مجّانة ، فنزل القرن ، وأخذ عبد الواحد بن يزيد على طريق الجبال فنزل « طساس » وعلى مقدمته أبو عمره المغيلى ، فرأى حنظلة أن يجعل قتال عكاشة قبل أن يجتمع عليه البربر ، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان ، والتقوا بالقرن ، فكان بينهم قتال شديد فنى فيه خلق كثير من الناس ، وهزم اللّه عكاشة وأصحابه ، فقتل من البربر ما لا يحصى كثرة ، وقيل إن حنظلة لما رأى كثرة ما دهمه من البربر قال لأصحابه : « نخندق على أنفسنا ونستمد أمير المؤمنين » ، فقال عمرو بن عثمان القرشي ، وهو إذ ذاك شاب حدث السنّ : « اللّه اللّه يا حنظلة ، اتستمد أمير المؤمنين والكرائم محصورات يمتن هزلا ، بل نخرج إلى عدونا حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين » . فعزم حنظلة ، وعزم الناس ، ونزل العدو وخرج رجل من البربر من أصحاب عكاشة يدعو إلى البراز ، فلم يجبه أحد فقال حنظلة : « ألا أحد يبرز إلى هذا ! ؟ » ، فبرز إليه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع فصاح به أخوه : ارجع عن هذا الكلب ! قال حنظلة : « ترد أخاك ، فيرد كل واحد وليه عن هذا الكلب ، خلوا لهذا الكلب الذمار ، امض يا بن أخي . فمضى القرشىّ ، فلما دنا من البربرىّ بدره البربرى بالضربة ، فأعطاه القرشي الدّرقة ، ثم ضرب ساقيه فبراهما ، وسقط البربرى ، فجلده القرشي بالسيف ، فقتله ، وقال حنظلة : « الحملة ! » فحمل الناس ، فهزم اللّه عكاشة ومن معه ، وكانت النساء قد ركبن ظهور البيوت بالقيروان ، فإذا رأين الغبار سائرا إلى الجبل كبّرن وسجدن ، وإذا رأينه مقبلا صرخن واستغثن ، فبعث حنظلة البشير بهزيمة البربر ، وانصرف راجعا