الرقيق القيرواني

49

تاريخ افريقية والمغرب

ثلاثمائة رجل يستغيثون إليه من الكاهنة فيما نزل بهم من خراب ومضى حتى وصل إلى قابس ، فخرج إليه أهلها وكانوا قبل ذلك يتحصّنون من كل أمير مرّ بهم ، فاستأمنوا إليه وأدخلوا عامله فأمنّهم على مال معلوم . فاستطال طريق القيروان فمال إلى طريق قفصة وقصطيلية ونفزاوة ، وبعثوا إليه أيضا يستغيثون به من أمر الكاهنة فسرّه ذلك وبلغ الكاهنة قدومه فرحلت من جبل أوراس تريده في خلق عظيم [ فرحل إليها فلما كانت ] بالليل قالت لابنيها : « إني مقتولة ، وأرى رأسي . . . أذنابها إلى المشرق من حيث تأتينا الشمس [ تركض به الدواب مقطوعا ] بين يدي ملك العرب الأعظم الذي بعث هذا الرجل » ، وقال لها [ ابن ] يزيد : « فإذا كان هذا فارحلى بنا وخلّى عن البلاد » وقال لها أولادها مثل ذلك ، قالت : « كيف أرحل وأفّر ، وأنا ملكة والملوك لا تفر من الموت ، فأقلّد قومي عارا آخر الدّهر » فقالوا لها : « فما الذي تخافين على قومك ؟ » قالت : « إذا أنا متّ فلا أبقى الله منهم أحدا على الدنيا » فقال لها [ ابن ] يزيد وأولادها : « ما نحن صانعون ؟ ! » فقالت : « أما أنت يا ابن يزيد فسوف تدرك ملكا عظيما عند ملك العرب الأعظم ، وأما أولادي فسوف يدركون سلطانا مع هذا الرجل الذي يقتلني ويعقدون للبربر عزا » ، ثم قالت : « اركبوا واستأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد وأولادها في الليل وتوجهوا إلى حسّان ، فأخبره [ ابن ] يزيد بقولها « أنا مقتولة » وقال له : قد وجهت إليك بابنيها ، فأمر بهما فأدخلا العسكر ، وأمر بحفظهما ، وقدم [ ابن ] يزيد على أعنّة الخيل ، وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت : « انظروا ماذا دهمكم واعملوا لأنفسكم ، فإني مقتولة ! » والتحم القتال ، واشتد الحرب ، واستحر القتل في الفريقين حتى ظنّ الناس أنه الفناء ، فانهزمت الكاهنة واتبعها حسان حتى قتلها ، ونزل في الموضع [ الذي قتلت فيه وهو ] بئرها وعليه بقي رأسها ، فسمى الناس هذا [ البئر بئر الكاهنة ] إلى اليوم . وكانت مع حسان جماعة من البربر . . . في ولدى الكاهنة وقرّبه وأكرمه ، ثم إن البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم ألا أن يعطوه من جميع قبائلهم اثنى عشر ألفا ، يكونون مع العرب مجاهدين فأجابوه وأسلموا على يديه ، فعقد لوائين لولدي الكاهنة ، لكل واحد