الرقيق القيرواني

134

تاريخ افريقية والمغرب

وعيسى الجلى ، وغيرهم ممن كان يتوثب على الأمراء ؛ لأن كل عامل من عمال إفريقية كان من وجوه الجند على خوف من قيامهم ؛ لأن أكثرهم يرى أنه أحق بالأمر منه ، فلما ولى إبراهيم علم أنه لا سلطان له عليهم ما دام بين أظهرهم ، فصرف من صرف إلى المشرق منهم ، واشترى موضع القصر القديم من ابن طالوت أو شى ، وابتنى به قصرا فجعله متنزها ، ثم جعل ينقل إليه السلاح والأموال سرا وهو في خلال ذلك يراعى أمور أجناده ويصلح طاعتهم ، ويتفقد أمورهم ، ويصبر على جفائهم ، وأخذ في شراء العبيد ، وأظهر أنه يريد أن يتخذ من كل صناعة صنعة تغنيه عن استعمال الرعية في كل شئ من أمورهم ، ثم اشترى عبيدا لحمل سلاحه ، وأظهر للجند أنه أراد بذلك إكرامهم عن حمل سلاحه . ولما تهيأ له من ذلك ما أراد انتقل من دار الإمارة ، وصار إلى قصره بعبيدة وأهله وحشمه وأهل بيته ، وكان انتقاله ليلا ، وأسكن معه من يثق به من الجند ، وكان يتولى الصلاة بنفسه في المسجد الجامع الذي في القيروان والمسجد الذي بناه وشاده بالقصر القديم . فذكر أنه صلى يوما ، فلما قضى الصلاة عثر ببعض الحصر ، فأمر أن يؤتى بمن حضر الصلاة من وجوه الناس ، فلما أتوا قال لهم : « استكهنونى » فأبوا فقال : « لا بد » فقال : « إني خفت أن يقول إني خرجت أصلى وأنا سكران ، فأحببت أن تعلموا مرادي » وكان حافظا للقرآن عالما به . وكان أبو عبد الرحمن النفزى الكوفي يقول : قال لي الأمير إبراهيم : « أحب أن أقرأ عليك القرآن ولك بكل حرف اخطئه مائة درهم » فقلت : « إذا تقلّ درهمى - أصلح الله الأمير - » فقرأ علىّ فما أخطأ غير حرف واحد نقله من موضع إلى موضع ، وذلك قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ في سورة المؤمنين ، قرأ هو : بأنه كانت تأتيهم . وهو « بأنهم - ها هنا - كانت تأتيهم » . في التغابن « ذلك بأنه » . ووفد عليه رجل من المشرق ، وكان أديبا ، وقد سخط إبراهيم على رجال من الجند خالفوا عليه فاستشفعوا بهذا الرجل ، فقال : مثلي ومثلهم كما قال الشاعر : كأني سلبت القوم نور عيونهم وقد * فلا العذر مقبول ولا الذنب يغفر كان وقد كان إحسانى لهم غير مرة * ولكن إحسان البغيض يكفر