اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
78
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
« إذ كان قد تقصى ذلك من وجوهه ودل على العلل والأسباب العارضة فيه بالبرهان الهندسى والعددي الذي لا تدفع صحته ولا يشك في حقيقته فأمر بالمحنة والاعتبار بعده وذكر أنه قد يجوز أن يستدرك عليه في أرصاده على طول الزمان كما استدرك هو على إبّرخس ( Hipparchus ) وغيره من نظرائه لجلالة الصناعة ولأنها سمائية جسيمة لا تدرك إلا بالتقريب » 81 . ويبدو جليا أن شمول التراث الهلنستى واتساع مداه واستيعابه المنظم لدى العرب ، هو الطابع المميز في تاريخ نفوذ العلم اليوناني إلى العرب لدى مقارنته بالهندي والإيراني . ففيما يتعلق بالتراث الهندي والإيراني نلتقى بمصنفات منفردة تدين بظهورها لمجهودات فردية ، وذلك بعكس التراث اليوناني الذي بدأ العمل فيه بطريقة منظمة . فمنذ عهد هارون الرشيد ( 170 ه - 786 - 193 ه - 809 ) تم إنشاء « خزانة الحكمة » أو « بيت الحكمة » وهي أشبه بأكاديمية للترجمة ملحقة بها مكتبتها الخاصة ، وقد أضفى المأمون ( 198 ه - 813 - 218 ه - 823 ) على المؤسسة طابعا رسميا - - حينما أمدها بهيئة علمية خاصة وبعث من أجلها البعوث إلى بيزنطة لجلب المخطوطات اليونانية . ولم تلبث بغداد أن أضحت مركزا لحركة الترجمة العلمية وشارك في هذا ممثلو جميع الطوائف الدينية من مختلف أصقاع الخلافة . وقد بلغ النشاط في الترجمة درجة عالية حتى لم تكن لتنقضى عشر سنوات أو عشرون دون أن تظهر للكتاب الواحد ثلاث أو أربع ترجمات . وفي زمن قصير انتشرت بين العرب مؤلفات ابقراط Hippocrates وجالينوس Galenus وأرسطو وإقليدس وأرخميدس ومنيلاوس Menelaus وأبولونيوس Appollonius ومارينوس الصوري Marinus of Tyre ، وهي تمثل في مجموعها القاعدة الأساسية للعلم اليوناني 82 . ولم يلبث أن احتل مكانة خاصة في هذه المجموعة اللامعة من الأسماء شخص بطلميوس « * » الذي بدأ به عهد جديد في تاريخ الفلك والجغرافيا عند العرب . أما تبيان أهمية مؤلفاته بالنسبة للعلم العربي بصورة مفصلة متكاملة فأمر يحتاج إلى بحث خاص يتطلب بدوره الكثير من البحث والتقصي . وقد تجمعت في خلال العشرين عاما الأخيرة مادة كبيرة وتعددت الأبحاث بصورة ملحوظة ، ولكنه رغما من أن التواريخ قد تكون واضحة أحيانا إلا أن استنباط علاقة الترجمات المختلفة بعضها ببعض ودور كل منها لا يزال يقوم إلى الآن على أسس واهية . ويمكن القول على وجه التحديد بأن الاهتمام الأساسي قد تركز حول مصنفيه الكبيرين وهما رسالته في الفلك وتقع في ثلاث عشر كتابا بجداولها ( أي « الجامع » ) و « المدخل إلى الجغرافيا » ( ) المعروف عادة باسم « جغرافيا » . والأول
--> ( * ) كلاوديوس بطلميوس Claudius Ptolemaius الذي عرفته العرب باسم بطلميوس القلوذى فلكى مصر عاش في مصر الرومانية . وأفضل ما يوجد في العربية للتعريف به وبآثاره هو القسم المفرد له في كتاب سارطون « العلم القديم والمدنية الحديثة » الذي عرب وطبع بالقاهرة منذ عهد غير بعيد . ( المترجم )