اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
75
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
هذا يتضح أن نظرية الأرين هي المسئولة بالذات عن ظهور نظرية الشكل الكمثرى للأرض عند كولومبس ، ومؤداها أنه يوجد في نصف الكرة الغربى من الأرض وفي مواجهة « قبة الأرين » مركز آخر للأرض على موضع أكثر ارتفاعا من رصيفه الموجود بالجهة الشرقية 53 . وهكذا فمهما بدا الأمر غريبا اليوم فإن النظرية الجغرافية العربية قد لعبت دورا ما في كشف العالم الجديد ، وليس ببعيد أن يكون تأثير هذه النظرية هو الذي دفع دانتى - الذي يدين بالكثير للتراث الإسلامي كما أثبت البحث الحديث - إلى وضع « المطهر » Purgatory على جبل في الجانب الغربى من نصف الكرة الجنوبي 54 ، كأنما يعكس بهذا التصورات المسيحية عن وجود الفردوس الأرضي في أقصى الشرق في مكان ما وراء البحار 55 . هذا ولم تختف نظرية قبة الأرين من الجغرافيا الأوروبية إلّا عقب الرحلات الكبرى حول الكرة الأرضية - - 56 . ولم تجد النظريات الفلكية والجغرافية الهندية طريقها إلى العرب مباشرة فحسب ، بل وصلتهم أحيانا في ثوبها الإيراني . ويتضح هذا بصورة جلية من بعض المصطلحات التي دخلت في الاستعمال العلمي لدى العرب مبكرا واستمرت باقية فيه ؛ وأحد هذه المصطلحات هو اللفظ الذي يطلق عادة على الجداول الفلكية أعنى بذلك لفظ زيج ( وجمعه زيجات ، وزيجة ، وأزياج ) ، وأصلها من الفارسية زيگ ، وبالبهلوية زيك 57 ، ويقصد به السدى الذي تنسج فيه اللحمة ، ثم أطلق على الجداول العددية لمشابهة خطوطها الرأسية لخيوط السدى . وثمة تفسير آخر لمؤرخ العلوم الدقيقة عند العرب شوى Schoy وهو أن لفظ زيج من الفارسية زه Za ? h أو زيق Zik بمعنى الوتر والخيط الذي يستعمل في المقاس 58 ؛ غير أن هذا التفسير لم ينل القبول رغم أنه يجد بعض التعضيد في كلام للبيرونى ، وذلك أثناء محاولته وضع ترجمة دقيقة للفظ اليوناني « قانون » 59 . وقد أطلق لفظ زيج عند العرب على أي مصنف فلكى بجداوله ، أما الجداول نفسها فقد حملت أحيانا الاسم العربي « جداول » ( جمع جدول ) Tables ، كما استعمل في نفس معنى جداول تقريبا اللفظ اليوناني « قانون » الذي وصل إلى العرب على ما يبدو في شكله السرياني . وبعض البحاثة أراد أن يبصر آثار النفوذ الشرقي ( الهندي - الإيراني ) في أن الأوصاف الأولى للأقاليم السبعة ، التي ربما ساعد على اعتناق نظريتها التصورات الإيرانية عن السبع كشورات 60 ، تورد مناطق كل إقليم ابتداء من الشرق كما لدى الفرغاني مثلا 61 . ومن المستحيل بالطبع نفى هذا تماما ، رغم أن نظرية الأقاليم السبعة لم تثبت لدى العرب في الواقع إلا بعد أن كانوا قد تعرفوا على النظريات اليونانية ، وربما حدث ذلك عن طريق السريان أيضا 62 . ومن بين المصنفات الفارسية لم يحدث تأثيرا كبيرا على العلم العربي إبان نشأته إلا مصنف واحد فقط ، لم يكن ذا قيمة كبيرة في حد ذاته لأنه يقوم على الأرصاد والجداول الهندية لا الفارسية ، وهو المعروف