اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

71

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

تصحبها منذ الأزل ، عندما حرك الحب الإلهى تلك الأشياء الجميلة لأول مرة » 14 . والبرهان على ما بلغتة هذه النظرية من انتشار بين العرب يتضح من موضع في « كتاب الشعر والشعراء » لابن قتيبة ( المتوفى عام 276 ه - 889 م ) . فهو عند شرحه لبيت أبى نواس في وصف الخمر : تخيّرت والنجوم وقف * لم يتمكن بها المدار كتب يقول : - - « يريد أن الخمر تخيرت حين خلق اللّه الفلك ، وأصحاب الحساب يذكرون أن اللّه تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقفة في برج ثم سيرها من هناك وأنها لا تزال جارية حتى تجتمع في ذلك البرج الذي ابتدأها فيه وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم . والهند تقول إنها في زمان نوح اجتمعت في الحوت إلا يسيرا منها فهلك الخلق بالطوفان وبقي منهم بقدر ما بقي منها خارجا عن الحوت . ولم أذكر هذا لأنه عندي صحيح بل أردت به التنبيه على معنى البيت ونظر هذا الشاعر في هذا الفن » 15 . وفيما بعد استعمل الفلكي أبو معشر حساب التوقيت الذي يبدأ من الطوفان ، لأن الطوفان حدث في لحظة اقتران جميع الكواكب في نهاية دائرة البرج 16 . ومن العسير التكهن بالصيغة التي اتخذها كتاب « السند هند » في الوسط العربي إذ أن نصه لم يحفظ لنا ، ومن العسير كذلك التكهن بطبيعة الدور الذي قام به كلا المترجمين في هذا الصدد فالفزارى كان إلى عهد غير بعيد ، وذلك لتضارب المعلومات حوله في المصادر الإسلامية ، يقصد به شخصان . وإحدى أيادي نالينو Nallino العديدة على العلم هي إثبات اسمه الحقيقي 17 . وقد استعمل الفزاري في كتابه الأسس والمناهج الهندية في الحساب لوضح جداول فلكية جديدة - زيج 18 . وقد حفظ لنا الفزاري على العموم أصل المذهب الذي أطلق عليه في العلم العربي « مذهب السند هند » ولكنه أجرى فيه بالطبع تعديلات وإضافات جوهرية وقام بتحويل حساب التوقيت الهندي إلى « سنى العرب » كما تقول المصادر ، أي أنه استبدل بنظام الكلبا حساب السنين القمرية المستعمل لدى المسلمين 19 ، أما إضافاته فقد بدت في الاتساع الملحوظ في المادة المتعلقة بأراضي الخلافة ؛ وفي القطعة من زيجة التي حفظها لنا المسعودي 20 والتي يرد فيها تعداد البلدان الإسلامية يلاحظ اهتمامه بالعامل التاريخي وهو شئ غريب على الهند تماما . فلديه يظهر لأول مرة الرباط بين التاريخ والجغرافيا 21 الذي أصبح بالتالي طابعا مميزا لجميع مصنفات الأدب الجغرافي في اللغة العربية . ومادة هذه القطعة تشير إلى - - أنها دونت عقب عام 170 ه - 786 22 بقليل ويلوح أنه إلى نفس تلك الحقبة ترجع الصيغة النهائية لزيج الفزاوى . إن نشاط الفزاري ومعاصريه كان بلا شك فاتحة عهد جديد في تطور الفلك والجغرافيا الرياضية