اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

59

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

إشارة إلى ألفاظ ابن القرية « إن كثر الجيش بها جاعوا وإن قلو ضاعوا » . ومن ثم فإن تلك القطعة من « الفضائل » كانت ولا بد معروفة جيدا ومتداولة في عهد أعشى همدان ، أي في النصف الثاني من القرن السابع . لذا فإن احتمال ظهورها في عهد الخليفة عثمان لا يمكن اطراحه كلية . والعصر الأموي يحفل بعدد غير قليل من أمثلة هذا النوع من الوصف الأدبي . وفي مجلس للخليفة هشام ( 105 ه - 125 ه - 724 - 743 ) يعطى خالد بن صفوان الخطيب المشهور وأحد بلغاء العرب ( توفى عام 135 ه - 752 ) 141 وصفا لموطنه البصرة حفظه لنا واحد من أقل الكتاب شهرة في النصف الأول من القرن العاشر وهو ابن القاصّ 142 . ويقترن باسم الحجاج أول ذكر معروف لدينا عن الخارطات عند العرب . ففي عام 89 ه - 708 بعث الحجاج إلى قائدة قتيبة بن مسلم الباهلي فاتح بلاد ما وراء النهر ، وذلك عندما استبطأ حصاره لبخارى ليرسل إليه « صورة » المنطقة ؛ ويقال إنه قد بعث إليه بتعليماته الاستراتيجية عقب ذلك اعتمادا على تلك الخارطة 143 . وفي الأصل العربي كما نرى تستعمل كلمة « صورة » التي حل محلها فيما بعد لفظ « مصور جغرافى » « * » . ورواية الطبري التي حفظت لنا هذه الواقعة 144 ترتفع إلى مصدره الأساسي في فتح تركستان وهو المدائني ( المتوفى حوالي عام 215 ه - 830 ) ، وأغلب الظن أنها تعكس حقيقة واقعة . ويغلب الخيال أكثر على القصة الثانية التي يوردها لنا ابن الفقيه . قال : « وبعث الحجاج إلى وفد الديلم فدعاهم إلى أن يسلموا أو يقرّوا بالجزية فأبوا فأمر أن تصوّر له الديلم سهلها وجبلها وعقابها وغياضها فصورت له فدعا من قبله من الديلم فقال إن بلادكم قد صوّرت لي فرأيت مطمعا فأقرّوا لي بما دعوتكم إليه قبل أن أغزيكم الجنود فأخرب البلاد وأقتل المقاتلة وأسبى الذرية فقالوا أرنا الصورة التي أطمعتك فينا وفي بلادنا - - فدعا بالصورة فنظروا فيها فقالوا قد صدقوك عن بلادنا هذه صورتها غير أنهم لم يصوروا فرسانها الذين يمنعون هذه العقاب والجبال وستعلم ذلك لو قد تكلّفته فأغزاهم الجنود وعليهم محمد بن الحجاج فلم يصنعوا شيئا وانصرفوا إلى قزوين » 145 . إن عنصر الخيال المحيط بهذه القصة يحول بيننا وبين الاعتقاد بأن المحاولات الأولى المستقلة للعرب في رسم المصورات الجغرافية قد ارتبطت باسم الحجاج عن طريق المصادفة وحده 146 . فإذا ما انتقلنا إلى الكلام عن الرحلات في العصر الأموي فإن أول ما نلاحظه هو أن معظم وقائعها ليس من السهل فصله عن الأساطير . وترتبط بعض هذه الرحلات ببيزنطة ؛ وقد جاء في قصة رواها كاتب من عهد المهدى العباسي ( 158 ه - 169 ه - 775 - 785 ) أنه في عهد عبد الملك بن مروان

--> ( * ) يستعمل العرب للتعبير عن لفظ خارطة ( Map ) « المصور الجغرافي » ، بيد أن غلبة خارطة في الاستعمال الحديث اضطرنا إلى إثباتها في هذا الكتاب . وقد أخذ العرب عن الروم لفظ Carta ( كارتا ) بصيغة الجمع فقالوا قرطاس ؛ أما لفظ خارطة فقد عربه المصريون أيام محمد على عن الفرنسية Carte . ولم يكن الجغرافيون العرب على اتفاق تام في استعمال مصطلح « المصور الجغرافي » ، فابن فضل اللّه العمرى في مسالك الأبصار يستعمل « لوح الرسم » بينما ورد في بعض نسخ نزهة المشتاق للإدريسى « لوح الترسيم » ( راجع مقال أحمد زكى باشا الذي ظهر بمجلة المقتبس - الجزء السادس من المجلد الخامس ص 387 ) . ( المترجم )