اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
56
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
من الواضح تماما أن الأمر يتعلق بحكاية ملفقة ، والدليل على ذلك ليس في تفاصيل الحكاية وحدها والظروف التاريخية المحيطة بها ، بل أيضا في الموضوع نفسه وفي تاريخه الأدبي . وهذه الحكاية نفسها توجد في شكل أوسع وبتفاصيل جديدة لدى جغرافى بداية القرن العاشر ( حوالي عام 900 ) ابن الفقيه 121 ؛ وثمت رواية أخرى لهذه القصة انتقلت إلى الصين وحفظها لنا أبو زيد السيرافى أو وصلت عن طريقه إلى المسعودي ، وهي على لسان ابن وهب من أهل النصف الثاني للقرن التاسع . ويتبادر إلى الذهن سؤال محير هو متى نشأت هذه القصة عن رحلة عبادة بن الصامت ؛ فالمستشرق الروسى كريمسكى Krymski يرى أنها لا تتجاوز بأية حال القرن العاشر 122 ، ولكنه في الترجمة الأوكرانية لبحثه يؤكد دون تردد أنها ترجع إلى ما بعد القرن العاشر 123 ؛ غير أن وجود الرواية الثانية لدى ابن وهب والدينوري ولدى ابن الفقيه أيضا ، وجميعهم من مؤلفي النصف الثاني من القرن التاسع ، يضطرنا إلى الرجوع القهقرى بتاريخها واعتبارها مؤلفا لا يتجاوز بحال منتصف القرن التاسع ؛ أما الرحلة إلى القسطنطينية في عهد أبى بكر فإنها بالطبع لم تحدث على الإطلاق . ومن نافلة القول أن نضيف أنه تقترن باسم عبادة أقاصيص خيالية أخرى ؛ من ذلك أن ابن إسحاق 124 يورد قصة تنسب إليه مؤداها أن محمدا بعث سرية إلى ساحل البحر فلما نفدت ذخيرتهم قذف لهم البحر بدابة هائلة تغذت عليها السرية عشرين يوما ، وكان يمر تحت أحد أضلعها بعير براكبه . وإلى جانب هذه الموضوعات الأسطورية والحكايات التي حفل بها أدب الحديث المبكر تجمعت فيه بالتدريج إلى جانب ذلك مادة جغرافية حقيقية ، خاصة فيما يتعلق بالفتوحات الإسلامية . وبعض من هذه الأحاديث الأخيرة تردد صداه في الأدب الجغرافي بالتالي رغما من أنه قليلا ما احتوى على معلومات ذات أهمية ، ذلكم هو ما يسمى « بالفضائل » أي ذكر محاسن البلاد والشعوب . وفي العهود الأولى اقتصر الاهتمام في الغالب على الأماكن المقدسة أو المقترنة بحياة محمد كالمدينة وبيت المقدس والشام - - ومصر واليمن ، ووفقا لذلك صيغت مادة الأحاديث . فالشام مثلا تحميها الملائكة وسيسقط عن سكانها حساب اليوم الآخر بفضل أربعين صالحا ( أبدال ) ؛ وهي ملجأ من جميع أنواع الفتن وبها يهلك الدجال 125 . وشيئا فشيئا بدأت مادة هذه الفضائل تتخذ طابعا دنيويا فظهرت أماكن أخرى مثل البصرة وتلتها بقية المدن والبلاد المعروفة . وقد اتخذت الفضائل صيغة أقوال مأثورة تميزت بالإيجاز وبمناسبتها للمقام وغلب عليها طابع السجع . وفي هذه الصورة الأخيرة بدأ ينشرها ليس أهل الورع فحسب بل وأيضا « الحكماء » أو « أهل البلاغة » مما جنح بها أحيانا للأسف الشديد نحو العناية باللفظ البليغ واللفتة البارعة على حساب الصحة والواقع . وبالتدريج بدأت تأخذ مكانها إلى جانب الفضائل « المثالب » أيضا . ومن المستحيل إغفال أوجه الشبه بين تطور هذا النمط الجديد من الأدب والطريق الذي سلكته المصنفات الأولى في الأنساب بما اتسمت