اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
53
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
نزار معد بن قال هم أربعة مضر وربيعة وإياد وأنمار فكثر أولاد معد بن عدنان بن أدد ونموا وتلاحقوا ومنازلهم بمكة وما والاها من تهامة وانتشروا في ما يليهم من البلاد وتنافسوا في المنازل والمحالّ وأرض العرب يومئذ خاوية وليس فيها بتهامتها ونجدها وحجازها وعروضها كثير أحد لإخراب بختنصر إياها وإجلاء أهلها إلا من كان اعتصم منهم برؤوس الجبال وشعابها ولحق بالمواضع التي لا يقدر عليه فيها أحد متنكبا مسالك جنوده ومستنّ خيوله فارّا إليها منهم فاقتسموا الغور غور تهامة بينهم على سبعة أقسام لكل قسم ما يليه من ظواهر الحجاز ونجد وتهائم اليمن لمنازلهم ومحالهم ومسارح أنعامهم ومواشيهم وبلاد العرب كلها يومئذ على خمسة أقسام - - في جزيرة مطيفة أي مديرة وطوف الجبل دوره ومنه الطواف حول الكعبة وطوائف من الناس فرق من أطراف الناس ويروى مطيقة من الطّوق وهو ما دار بالعنق من هجار فضه وغيره وهي جزيرة العرب التي صارت في قسم من أنطق اللّه تعالى باللسان العربي حين تبلبلت الألسن ببابل وفي زمان نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بنى نوح يوم قسم فالخ بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح الأرض بين أولاد نوح عم سام وحام ويافث » 109 . أما الرحلات القليلة التي حفظت لنا أوصافها عن ذلك العهد فمشحونة بتفاصيل خرافية جعلت حوادث الرحلة الواقعية نفسها هدفا للريبة حتى نسبت إلى القصص الشعبي . ومما تجدر الإشارة إليه أن اللون الغالب عليها بالذات ينتمى إلى العناصر الأخروية السائدة في الجغرافيا الأسطورية . وسأقتصر في هذا الصدد على إيراد مثالين يرتبط أولهما باسم شخصية غير مجهولة في تاريخ الإسلام الأول وهو تميم الداري الذي أقطعه محمد أرضا قرب حبرون الخليل من أعمال فلسطين ؛ والوثيقة المنحولة المتعلقة بهذه القصة قد اهتم بها عدد من المؤرخين العرب . وتميم الداري المتوفى حوالي عام 40 ه - 661 أصله من نصارى فلسطين العرب ، وقد استقر بالمدينة في حياة محمد واعتنق الإسلام . وكنصرانى سابق فمن المحتمل أنه قد ساعد على إدخال العناصر المسحية في الأحاديث المبكرة ، خاصة وأنه كان شخصيا من أوائل « القاصيّن » أي رواة الحكايات الدينية 110 . ففي إحدى قصصه يتحدث عن رحلة له ببحر الشام ( البحر الأبيض المتوسط ) حيث قذفت به عاصفة هو وصحبه إلى جزيرة مهجورة رأوا فيها رأى العين الدجال ( Antichrist ) مقيدا ورأوا أيضا الجساوسة ( The Apocalyptic Monster ) الذين سيظهرون في آخر الزمان 111 . هذه القصة الملفقة ترجع إلى عهد مبكر ، وعلى أية حال فإننا نلتقى بها بجميع تفاصيلها في أقدم مجموعات الحديث . ومن الطريف أنه يمكن بدقة كبيرة تتبع التطور التاريخي لهذه الأسطورة التي نالت انتشارا واسعا في العالم الإسلامي . وفيما بعد نسبت إلى العصر التالي لوفاة النبي واكتسبت شكلا مغايرا لا يرد فيه أي ذكر لرحلة بحرية 112 ، بل يقال إن الجن اختطف تميما من منزله بالمدينة وطار به فوق بلاد عديدة غير معروفة تسكنها مخلوقات غريبة ، بحيث يبدو التقاؤه بالدجال والجساوسة حادثا بين سلسلة من الحوادث ؛ وفي نهاية مطافه يصحبه أحد الملائكة على متن السحاب إلى منزله . وكانت زوجه - - قد ظنته