اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

49

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ما نفدت كلمة اللّه » . من الواضح جيدا أن الإشارة إلى البحار السبعة في هذه الآية ، التي تمثل بدورها ترجمة دقيقة لحكمة عبرية 56 ، إنما ترد بطريقة رمزية ؛ وهكذا فهم المقدسي الأمر 57 . بيد أن هذا لم يمنع بقية الجغرافيين ، بل وأحيانا العلماء الأوروبيين ، من الكلام عن سبعة بحار مختلفة في القرآن 58 ؛ ولعلنا نجابه مرة أخرى تأثير المغزى السحرى للرقم سبعة كما هو الشأن مع الأرضين السبع . فإذا ما انتقلنا من النظريات الجغرافية الموجودة في القرآن ، أو القائمة على تعبيرات غير واضحة فيه ، إلى المادة الجغرافية الواقعية فإن القرآن يبدو أفقر بكثير من الشعر العربي خاصة فيما يتعلق بذكر الأماكن . ويمكن القول بأن القرآن يقتصر على إيراد نحو عشرة أسماء لمواضع جغرافية جميعها داخل حدود الجزيرة العربية . فيرد بالطبع ذكر مكة باسمها المعروف ( 48 24 ) وباسمها الموقر « أم القرى » ( 36 9 ، 42 5 ) 59 وباسمها المحلى « بكة » ( 3 90 ) . أما المدينة التي يرد ذكرها مرارا ، فقد وردت أيضا باسمها الجاهلي يثرب ( 33 13 ) 60 . ومن الأماكن المرتبطة بسيرة محمد يرد ذكر بدر ( 3 119 ) وحنين ( 9 25 ) 61 فقط ؛ ومن أماكن العبادة الصفا والمروة ( 32 15 ) 62 وعرفات ( 2 194 ) . وطريفا كان مصير الجودى الذي رسى عنده فلك نوح ( 11 46 ) ، فمحمد بلا ريب اعتبره في جزيرة العرب 63 ولكن الجغرافيين نقلوه بالتالي إلى شمال أرض الجزيرة بل وحددوه بجبل أرارات . ومن الأماكن التي لعبت دورا في تاريخ الأديان يرد ذكر سيناء ( 20 20 ، 95 2 ) 64 ، ووادى طوى القريب - - منها ( 20 12 ، 79 16 ) 65 . ومن مساكن الأمم البائدة يرد ذكر مواضع حقيقية وأخرى أسطورية مثل مدين ( عشر مرات ) 66 والأيك ( 15 78 ، 26 176 ، 38 12 ، 50 13 ) 67 والرسّ ( 25 40 ، 50 12 ) 68 والحجر ( 15 80 ) 69 وإرم ( 89 6 ) 70 . وخارج حدود الجزيرة العربية ورد ذكر « الأرض المقدسة » فلسطين مرة واحدة ( 5 24 ) ومصر 71 أربع مرات وذلك بصدد تاريخ يوسف وموسى ( 10 87 ، 12 21 ، 100 ، 43 50 ) ، ومرة واحدة ذكرت بابل ( 2 96 ) 72 . ولا يمكن ألا يسترعى الانتباه شح هذه المادة . ولا يلبث الأفق أن يتسع بعض الشئ بذكر الشعوب المختلفة التي يرتبط باسمها أحيانا أسماء أتباع الديانات . وإذا كان القرآن قد استعمل في عهده المكي كلمة « عربى » لتحديد اللغة التي أنزل بها فإن لفظ « العرب » لم يظهر فيه إلا في العهد المدني ( عشر مرات ) 73 . وليس للعرب الحضر تسمية خاصة بهم ، أما القبائل فلم يرد لها ذكر في القرآن باستثناء قريش التي ورد ذكرها مرة واحدة فقط ( 106 1 ) 74 . وإلى جانب اليهود والنصارى الذين ورد ذكرهم مرارا يرد بضع مرات ذكر الصابئة ( 2 59 ، 5 73 ، 22 17 ) 75 ويرد مرة واحدة ذكر كل من المجوس - الفرس ( 22 17 ) 76 والروم - البيزنطيين ( 30 1 ) 77 . ومن القبائل البائدة في الجزيرة العربية ذكرت مرارا عاد 78 وثمود 79 ، وأقل من ذلك جاء ذكر سبأ ( 27 22 ، 34 14 ) 80 الذين لم يوضح القرآن بجلاء علاقتهم بقوم تبّع ( 44 36 ، 50 13 ) 81 .