اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

42

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

« إذا طلعت الجوزاء توقدت المعزاء وكنست الظباء وعرفت العلباء وطاب الخباء » . وترتبط الأنواء بالظواهر الجوية ارتباطا وثيقا بحيث أصبحت الأخيرة تسمى أحيانا باسمها ، فلفظ « نوء » كثيرا ما يعنى المطر ، وفي الاستعمال المعاصر اتخذ معنى العاصفة ( البحرية ) . وأحيانا نسبت الظاهرة إلى النجوم مباشرة فقيل إن نجما ما يسبب المطر ، وهي فكرة اضطر محمد إلى محاربتها بالتالي . ويحفظ لنا التراث العربي القديم مادة غزيرة عن الأنواء ليس فقط على شكل جدول يبين منازل القمر الثمانية والعشرين 11 بل أيضا على هيئة تصورات عديدة مرتبطة بها ، سجعا كان ذاك أم شعرا . لذا فليس من الغريب في شئ أن انكب كبار العلماء فيما بعد على تأليف « كتب الأنواء » ، وقد عد أحد المتخصصين في الفلك عند العرب أكثر من عشرين منها 12 في القرنين التاسع والعاشر وحدهما ، ويرجع أحدها إلى واحد من أوائل الجغرافيين العرب وهو ابن خرداذبه كما ندين بآخر إلى المؤرخ المعروف الدينوري . ونظام المنازل القمرية من أقدم تراث البشرية وهو معروف في أقدم الروايات الصينية والهندية والعربية 13 . وليس ثمت ما يدعو على الإطلاق إلى القول بأن مذهب العرب في المنازل مستعار برمته من غيرهم . هذا وقد وجد طريقة إلى أوروبا في العصور الوسطى مصور يبين منازل القمر العربية LUnar Arabic ) ( Zodiac ، كما بينت المنازل الثمانية والعشرين بحذافيرها على بعض الاسطرلابات 14 . وبالطبع لم تقف معرفة البدو عند القمر وحده بل عرفوا جيدا الكواكب التي احتلت المكانة الأولى بينها الزّهرة ( Venus ) وعطارد ( Mercury ) 15 ، أما فيما يتعلق بالنجوم فقد عرفوا منها ما لا يقل عن مائتين وخمسين نجما في تسميتها العربية الخالصة « * » ، جمعها بعناية فائقة في القرن العاشر - - الفلكي عبد الرحمن الصوفي ( توفى عام 376 - 976 ) 16 . وتخلو نجوم السمت ( Azimuth Stars ) لديهم من أي تأثير يوناني ، إذ أن التأثير اليوناني لم يعدل في المصطلحات الفلكية العربية إلا ابتداء من القرن التاسع 17 . وقد ارتبط بهذه التسميات أحيانا أساطير فريدة في نوعها 18 . وفي مقابل هدا فإن عرب الجاهلية لم يعرفوا على ما يبدو أسماء البروج ، بل إن لفظ « برج » ( وجمعه أبراج وبروج ) الذي استعمل بالتالي في ذلك المعنى كان يعنى لديهم مجرد « النجوم » . فإذا ما تحولنا من السماء إلى الأرض فسيتضح لنا أن التصورات الجغرافية لدى عرب الجاهلية كانت نزرة ولم تتعد حدود جزيرتهم ، وذلك وفقا لمفهوم الكتاب المتأخرين ، أي إلى الفرات وجبال طوروس شمالا . ومن نافلة القول أن نؤكد غنى اللغة العربية القديمة في كل ما يتعلق بالتربة وأخص مميزاتها الباطنية ، وبالعالمين النباتى والحيواني أيضا . فإذا ما تركنا هذا جانبا فإن المجال الوحيد الذي خلف فيه العرب مادة

--> ( * ) آخر ما ظهر في هذا الموضوع بحثا : P . Kunitzsch 1 - Arabische Sternkunde in Europa , 1959 2 - Untersuchungen zur Sternkunde der Araber , 1960 . ( المترجم )