اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
461
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
ويصف لنا التمجرونى بتفصيل كبير رحلته عبر البحر الأبيض المتوسط وما أحدثته في نفسه من أثر وكانت هذه أول مرة يعبر فيها البحر ومن ثم فقد أحدث البحر تأثيرا كبيرا عليه ، وهو يرجع إلى الكلام على ذلك في مواضع عديدة من كتابه واصفا الهلع الذي استولى عليه من تقاذف الأمواج للسفينة والمخاطر التي تعرض لها أكثر من مرة . وهذه الاستطرادات الأدبية بما يصحبها من عدد كبير من القصائد بعضها له وبعضها لشعراء غيره تشغل جزءا من كتابه غير يسير . وقد عرّفته الرحلات البحرية بالبوصلة ( Compass ) « بيت الإبرة » وبالخارطات الجغرافيه ، وهو يقول في صدد هذا « والمصور الجغرافي للبحر مرسوم على جلد بينت عليه أسماء جميع المدن الساحلية والجزر ، وهو يعين اتجاهات الرياح المختلفة كما يبين المسافات التي قطعتها السفينة وما - - ستقطعه بالأميال . وهم يسمونها القمباص 168 » . والسهو الأخير الذي وقع فيه التمجروتى يبين بصورة جلية كم كان البحر والمصطلحات البحرية أمرا غريبا على مؤلفنا . وهو يقدم وصفا مفصلا لاستنبول 169 سواء حين الكلام على مقابلته للسلطان أو في وصفه لخطط المدينة التي يولى اهتماما خاصا فيما بينها لجامع أياصوفيا ومساجد أخرى أو عند حديثه على التجارة والحرف وحياة أهل المدينة . كما يبدي اهتماما خاصا لما أبصره من انتعاش العلوم الإسلامية بها ويعترف بأنها تقف على مستو واحد مع البلاد العربية ؛ وقد اجتذبت أنظاره بصورة خاصة كمية المخطوطات الهائلة سواء الموجودة بالمساجد أو بالأسواق والتي كانت تجد طريقها إلى استنبول من جميع البلدان بحيث كان بوسع أي قارئ أن يحصل على المراجع في جميع فروع العلوم 170 . وفي عودته إلى وطنه أخذ التمجروتى ننمس الطريق الذي جاء به إلى استنبول معتمدا في وصفه للمدن الكبرى مثل طرابلس وسوسه إلخ 171 على المؤلفين السابقين له ؛ وهو يتحدث في القسم الأخير من كتابه عن استقبال السلطان لهم بفاس مع وصف مفصل لمراسيم البلاط المراكشي . وفي الخاتمة يوجد عدد من قصائد المؤلف يرتبط بعضها بمناسبات لا علاقة لها بالرحلة . وقد توفى التمكروتى بعد هذا بقليل بمراكش وذلك في عام 1003 ه - 1594 - 1595 172 ؛ وكان كتابه معروفا جيدا بوطنه ، وفي بداية القرن الثامن عشر أدخل المؤرخ الوفرانى ( توفى حوالي عام 1151 ه - 1738 ) وصفه لمراكش في مصنفه التاريخي المعروف عن سلاطنة السعديين 173 . هذا وقد استمر التأليف التاريخي ( historiography ) منتعشا بالمغرب لمدة أطول مما هو عليه الحال في البلاد العربية الأخرى ، كما وأن نمط الرحلة التقليدى بقي حيا إلى القرن التاسع عشر . وإلى العصر الذي عاش فيه التمجروتى ينتسب مصنف آخر لا يسعنا إلا أن نجعله خاتمة لهذا الفصل وإن كان في واقع الأمر غير عربى لأنه مدون باللغة الإسبانية ولكن بحروف عربية . هذا المصنف يمثل نموذجا لما يعرف بأدب الألخميادو « * » Aljamiado أي أدب الموريسيكيين Moriscos وهم العرب المتنصرون الذين تخلفوا بإسبانيا عقب سقوط غرناطة في عام 1492 ومغادرة المسلمين لشبه الجزيرة الايبرية نهائيا .
--> ( * ) تحريف أسبانى للفظ العربي « الأعجمية » . ( المترجم )