اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

457

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

لا تجد انعكاسا ما في خارطة العالم الموجودة بهذا الأطلس 131 . والتأثير الغربى الوحيد على مؤلف الأطلس يبدو فقط في إطلاقه لفظ « طبله » على أطلسه ، وهو مأخوذ من اللاتينية الدارجة Tabula أي اللوحة 132 ؛ ويبدو أنه قد استعاره من اللغة الدارجة المتداولة آنذاك في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط ( lingua franca ) ولعل مؤلفنا هذا هو المسؤول عن وضع صورة منقحة لخارطة العالم آنفة الذكر نفسها ، وترجع هذه الأخيرة إلى عام 1579 وقد كشف عنها نالينو في مجموعة شخصية برومه ؛ ويرى ميلر K . Miller أن المؤلف قد جهد في هذه الخارطة ليجمع بين الخارطة البحرية القطلونية ( Catalonian ) وخارطة الإدريسى ويخرج من الاثنين خارطة بحرية عربية جديدة 133 . وقد ترسم خطاه على ما يبدو ابنه محمد بن علي الشرفى الصفاقسى الذي تنسب إليه خارطة للعالم معروفة في نسخة واحدة ترتفع إلى عام 1009 ه - 1601 134 ، ولكن حدث لسهوما أن صورها ميلر Miller في قطعتين نسب إحداهما إلى عام 1592 والأخرى إلى عام 1601 135 . وتكاد أهمية هذه الخارطة تنحصر أساسا في أنها مصورة على قطعة واحدة من جلد شاة تنقصها الأرجل فقط ، وهي نفس الطريقة المتبعة في رسم الخارطات الإيطالية والفرنسية لذلك العهد 136 . ووصف أمارى لهذه الخارطة بأنها « بديعة » ( chiarmante ) 137 لا يقوم على أساس لأن بلوشيه Blochet الذي درسها عن كتب لا يجد فيها ما يستحق الاهتمام ؛ وهي تعتمد على الإدريسى فيما يتعلق بنصفها الشرقي ولو أنها لا تورد جميع أسماء المواضع ، هذا بالإضافة إلى نقصها الفنى الملحوظ ؛ وبهذا فهي لا يمكن أن تصلح « كبورتولان » Portulan 138 . أما فيما يتعلق بنصفها الغربى الذي يبين حوض البحر الأبيض المتوسط مع سواحل - - الأطلنطى والبحر الأسود فإنه يبدو عليه بوضوح تأثير الخارطات البحرية القطلونية 139 مما يقف دليلا جديدا على أن الخارطة قد نشأت في وسط ملاحى مختلط . ومن دراسته لهذه الخارطة يستنتج كونراد ميلر الخبير الكبير في الكارتوغرافيا العربية أن خارطة الإدريسى الأولى قد وجدت ليس فقط على شكل سفر من سبعين ورقة بل وأيضا على شكل خارطة حائطية كبرى تم تطبيقها بصورة عملية بعد مرور أربعمائة سنة على ظهورها 140 . وقد يكون هذا الاستنتاج صحيحا ولكنه يقف دليلا في رأى بلوشيه على تدهور المدرسة الكارتوغرافية التونسية 141 التي زاولت نشاطها لبعض الوقت بجدكى تستطيع أن تفي بحاجة عملائها من قباطنة السفن المختلفة التي كانت تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط 142 . ونشاط فن الكارتوغرافيا بالمغرب حينذاك لم يكن بطبيعة الحال أمرا غريبا ؛ ورغما من الأمثلة التي سقناها فإن التأثير الأوروبى قد وجد طريقه إليها بصورة لا تقبل الشك . ولنقدم مثالا طريفا لهذا التأثير في شخصية عالم مغربى ، وهو إن لم يمس كثيرا علم الجغرافيا إلا أنه يقف دليلا صريحا على نشاط التبادل