اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
455
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
بالطبع بعدد كبير من المؤلفين المغاربة في محيط الجغرافيا غير أن مصنفاتهم تعالج نقاطا منفردة أما المصنفات الجامعة من طراز مصنف ليون الإفريقى فإن هذا كان آخر العهد بها . ومن العسير القول بأن القرن السادس عشر في إفريقيا الشمالية كان فقيرا في مصنفاته ولو أنه يجب الاعتراف بأن مستواها لا يتجاوز الحد الأوسط بأية حال ، ويكفى فقط أن نشير في هذا الصدد إلى ظاهرة في محيط الكارتوغرافيا ( فن رسم المصورات الجغرافية ) تقف دليلا على أن مذهب الإدريسى كان لا يزال حيا ومعمولا به ، على الأقل فيما يتعلق بالاحتياجات العملية . كان نمط الخارطات السائد إلى القرن العاشر هو النمط الذي غلب عليه توزيع المناطق وفقا للأقاليم ؛ ثم أعقب هذا ظهور الخارطات البحرية التي كانت تبين عليها أحيانا خطوط الطول والعرض ، مما يثبت وجود تأثير غربى بل ويشير إلى المحاكاة الصرفة . ولقد كانت الخارطات من هذا النوع في الحقيقة أمرا غريبا على العرب 117 ولا يخلو من مغزى أن تظهر لأول مرة في حوض البحر الأبيض المتوسط وبعض مناطق البحر الأسود ، أي في ذات المنطقة التي وجدت فيها نماذجها الأولى ؛ هذا على حين أنها لا تقابلنا إطلاقا في الأقطار الساحلية الأخرى التي نفذ إليها العرب كسواحل المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج الفارسي على الرغم من أن هذه السواحل الأخيرة كما سنرى قد شهدت في هذا العصر بالذات انتعاشا غير معهود لنمط جديد في الأدب الجغرافي هو الجغرافيا الملاحية . وأقدم الخارطات البحرية المعروفة لنا محفوظة بمكتبة الأمبروزيانا Ambrosiana بميلانو 118 وتمثل قطعة مكونة من ثلاث ورقات لخارطة للبحر الأبيض المتوسط 119 ؛ ويمكن الحكم من الكتابة المغربية على أنها قد عملت في الجزء الغربى من شمال إفريقيا لعله سبته أو بجايه حيث وجد الملاحون من مختلف الشعوب . وليست بهذه الخارطة أية إشارات خارجية تبين التاريخ الذي عملت فيه ؛ ومن المحتمل أنها ترجع إلى القرن الرابع عشر . ومما يزيد في توكيد - - اختلافها عن بقية الخارطات العربية هو أن أبعادها مقدرة بالأميال مما ينهض دليلا جديدا على أنها إيطالية الأصل . وتبدو صلابة مقاومة الطابع العربي في الخارطات المغربية في احتفاظها بالأسماء العربية 120 ؛ وفيما يتعلق بهذه الخارطة بالذات فيبدو أنها تعتمد في الأصل على خارطة عربية أما الأخطاء الموجودة بها فيمكن إرجاعها إلى طبيعة الكتابة العربية . وبهذا يمكن القول بأن الخارطة تنتمى إلى النمط الإيطالى من حيث الرسم وتخطيط السواحل ولكنها من جهة أخرى تحمل تسميات ذات طابع مستقل فيما يتعلق بساحل إفريقيا وبجنوبى أسبانيا وشرقيها 121 . ولم تكن هذه الخارطة هي النموذج الوحيد الذي قدمه لنا العرب في فن الكارتوغرافيا على سواحل البحر الأبيض المتوسط . فابتداء من منتصف القرن السادس عشر ازدهر بتونس اسم أسرة الشرفى الصفاقسى التي قدمت في غضون جيلين عددا من مصورى الخارطات ( Cartographers ) ؛ وقد وفق نالينو في أن يتتبع