اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

450

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

وقد نال مصنف الحميري حظوة كبيرة لدى المؤلفين المتأخرين ولو أن هذا يقف بالطبع عند حد بلاد المغرب وحدها بالتقريب ، فإلى جانب من ذكرناهم في سياق الحديث ممن استعملوا مسودته الأولى نقل عنه أيضا في القرن السابع عشر المقّرى ، وفي القرن الثامن عشر مقديش 70 بل وحتى في القرن التاسع عشر - - الناصري السلاوى 71 ؛ وكل هذا يقف بالطبع دليلا على قيمة المادة التي جمعها الحميري . ولا يفوتنا أن نشير في خاتمة كلامنا عنه إلى أن ليفى بروفنسال الذي يدين له العلم بتعريفنا بهذا الأثر قد جمع القسم الخاص بالأندلس ونشره مع ترجمة فرنسية وتعليقات علمية جعلت من هذه الطبعة مرجعا قيما لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة الأندلس ، بحيث يلعب بالنسبة لتلك البلاد نفس الدور الذي يلعبه معجم ياقوت بالنسبة للعالم الإسلامي . وإذا أمكن اعتبار الحميري آخر مؤلف لمعجم جغرافى كبير فإن ثمة مغربيا آخر هو ليون الإفريقى المشهور يكاد يعد بوجه عام آخر المؤلفين الكبار في محيط الجغرافيا العربية ببلاد المغرب . وإذا تناولنا المسألة من الناحية الشكلية فحسب فلعل الكلام عنه لا يدخل في دائرة موضوع بحثنا ، ذلك أن مصنفه الأساسي معروف فقط في ترجماته الأوروبية في حين أن أصله العربي مفقود تماما ولكنه في أغلب الظن قد وجد بالفعل ، وبهذه الصفة فهو ينتمى إلى الأدب العربي ؛ وقد كشف الآن عن المؤلف مواطنوه المغاربة واعترفوا به بل إن مراكشيا معاصرا أفرد له منذ وقت غير بعيد دراسة خاصة 72 . وفي سيرة حياته شبه بعيد بسيرة حياة الإدريسى غير أن اسمه الغريب يشير إلى ما أحاط بها من تعقيد كبير 73 ؛ فهو معروف في الأقطار العربية باسم الحسن بن محمد الوزّان الزياتى ولكن اسمه يرد في مصنفاته التي وضعها بأوروبا على أنه يوحنا الأسد الغرناطي معربا بهذا الاسم الذي أطلق عليه هناك وهو Iohannes Leo Eliberitanus أو Africanus أي يوحنا ليون ( الأسد ) الأيبيرى أو الإفريقى 74 . وقد ولد فيما يبدو بغرناطة وذلك قبل أمد قصير من سقوطها في أيدي النصارى عام 1492 ؛ وكما هو الحال مع عدد كبير من الأسر المسلمة فقد انتقل أهله عقب ذلك إلى مراكش فشب مؤلفنا بمدينة فاس التي أخذ منها نسبته أي الفاسي . ومنذ نحو عام 1511 صحب عمه في رحلة دبلوماسية ساقته إلى تمبكتو عن طريق دره 75 . ومن المؤكد أنه نال حظا جيدا من التعليم وتمرس في فنون الكتابة الدواوينية ، كما أنه قد اضطلع لا أقل من ثلاث مرات بأعباء سفارات هامة في جنوبي مراكش لأسرة بنى وطّاس 76 الحاكمة بفاس ، وهي واحدة من آخر فروع أسرة بنى مرين وعرفت بتشجيع الثقافة والارتفاع بمستوى الحضارة في المغرب الأقصى وإلى عصرهم الذي يمكن أن يعد فترة انتقال بين تاريخ مراكش الوسيط وتاريخها الحديث يرجع الوصف الدقيق المفصل لمدينة فاس الذي دونه يراع ليون الإفريقى 77 . وفيما بعد قام بأعباء مماثلة لهذه - - لدى الشريف محمد 78 ؛ وقد استطاع خلال رحلاته العديدة أن يتعرف بصورة جيدة