اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
426
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الحكم على الطابع العام للكتاب من ألفاظ ابن جزى التي استشهدنا بها في سياق هذا الفصل ومن تحليل شخصيته كأديب ، فهو على ما يبدو من أدباء عصر التدهور وقد بقي لنا من آثاره ترجمة لسيرة حياته ( Autobiography ) ومصنف في نسب النبي 94 . وقد ولد ابن جزى بغرناطة وشغل منصب الكاتب لدى السلطان أبى الحجاج يوسف من بنى نصر ( 733 ه - 755 ه - 1333 - 1354 ) ثم لم يلبث أن اختلف معه فرحل عنه ليشغل نفس المنصب في بلاط السلطان أبى عنان الذي عرف كيف يجتذبه إلى شخصه . وأتم ابن جزى عمله في ثلاثة أشهر فقد انتهى من « تقييد » ألفاظ ابن بطوطة في ديسمبر من عام 756 ه - 1355 95 وفي فبراير من العام التالي كان قد أكمل صياغتها 96 ؛ ولم يعش طويلا بعد هذا فقد وافته المنية في نفس العام 97 . وعلينا أن نأخذ دائما في اعتبارنا جميع الظروف التي تم فيها تدوين الرحلة بحيث أننا إذا ما قسونا في حكمنا على ابن بطوطة فيجب ألا ننسى أن كثيرا من اللوم الموجه إليه يمكن أن يكون ناشئا عن ابن جزى . ويمس هذا قبل كل شئ الإطار العام للكتاب الذي هو من وضع ابن جزى فهو يفتقر في كثير من الأحيان إلى التناسب والتناسق ؛ ويمكن من خلال الشذور التي اقتطفناها أن نحكم على الأسلوب المتكلف الذي لجأ إليه ابن جزى وميله الواضح إلى السجع والإطناب وهي على أيه حال من سمات عصر التدهور . ومن حسن الحظ أن أسلوب الكتاب لا يسير في جميع صفحاته على وتيرة واحدة إذ كثيرا ما تتخلل العرض لغة ابن بطوطة القصصية البسيطة التي تميل أحيانا نحو لغة المحادثة محتفظة في ذات الوقت برزانتها وغناها بالتفاصيل فوق ما تتميز به من الحيوية الدفاقة والعاطفة الجياشة . وإلى جانبها يبدو أسلوب ابن جزى ثقيلا يغلب عليه الحشو والتكلف كما تنعكس فيه على الدوام محاولة واضحة إلى جمع قصص ابن بطوطة المتفرقة في وحدة متماسكة وتزويقها بصورة تجعلها أقرب إلى النصوص الأدبية 98 . وهو يقتطف من أشعار مختلف الشعراء ، أحيانا دون مناسبة تستوجب ذلك وبلا أدنى صلة تربطها بموضوع كلامه ؛ وغرضه من هذا أن يكسب كلام ابن بطوطة حيوية أكثر . وأغلب الظن أن ابن جزى قد لجأ إلى الطريقة القديمة في تضمين الأوصاف المأخوذة من المؤلفين السابقين في سياق عرضه دون أن يهتم بالإشارة إلى أسمائهم ؛ ومن الإجحاف اتهام ابن بطوطة بادعاء المعرفة والعلم بالكتب فهو رجل يحب القصص ولكنه يفضل حكايتها بألفاظه هو ومن المشكوك فيه أن يكون هو المسؤول عن تضمين قطع كبيرة من كلام ابن جبير في وصف الشام وبلاد العرب دون أن يشير إلى المؤلف ، إلا أنه من الطبيعي أن يكون ابن جزى الغرناطي الأصل على معرفة جيدة بالأسلوب المصقول لمواطنه الأندلسي ابن جبير خاصة وأن الأخير كان بوجه عام محببا إلى قلوب أهل بلده - - فلا غرو أن أراد ابن جزى تحلبة مؤلفه بإضافة تلك القطع إليه . إن دور ابن جزى في تحرير الكتاب كانت له آثار بعيدة فقد جهد في أن يضفى على المصنف طابعا