اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
420
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الجغرافي ويساعد بذلك على تحديد تلك الآثار التي ظلت تتمتع بالحيوية في العصر الذي عاش فيه المؤلف ؛ ولما لم يكن القلقشندي نفسه منقطعا للجغرافيا فإن هذا العرض يخلو من أهمية خاصة . وبالرغم من أن العمرى يحتل المكانة الأولى لديه 70 إلا أنه لم يعتمد عليه وحده في جمع مادته الضخمة ، فمن بين ممثلى الجيل « الأول » من الجغرافيين نلتقى في « صبح الأعشى » بأسماء ابن خرداذبه وابن حوقل والمسعودي والهمداني والمهلبي والسمعاني ؛ ومن بين ممثلى القرن « الفضي » بأسماء البكري والإدريسى والغرناطي وابن سعيد وياقوت وأبى الفدا . وإلى جانب هؤلاء المؤلفين البارزين نلتقى بمروجى المادة الأسطورية مثل ابن وصيف شاه ؛ وإلى جانب مصنفات ممثلى الجغرافيا الوصفية نلتقى أيضا بمصنفات ممثلى الجغرافيا الرياضية ولكن بصورة أقل ، وعلى كل حال فإن القلقشندي كثيرا ما ينقل عن الزيجات المختلفة وعن « المجسطى » لبطلميوس ؛ ومن مراجعه الأساسية في هذا المجال البيروني 71 خاصة في كتابه « القانون المسعودي » . والقلقشندي يعتمد في القسم الخاص بالجغرافيا الرياضية من كتابه اعتمادا كاملا على المذاهب القديمة ويخضع للنظريات الكوزموغرافية لبطلميوس بحيث ينعكس جيدا من مثاله كيف كانت الدوائر الكتابية في القاهرة تتأرجح بين النظريات العلمية القديمة الموجودة في بطون الكتب وبين الوقائع الجغرافية المحدثة 72 التي كانت معروفة لديهم جيدا - - والتي وكدتها آنذاك التجربة المباشرة لمختلف الشعوب . وهكذا يرفع رأسه مرة أخرى ذلك الفاصل الذي تحدثنا عنه أكثر من مرة والذي يفصل بين النظرية والواقع في الأدب الجغرافي . ويجب ألا يغيب عن ذهننا أن الأهمية الكبرى في المادة الجغرافية لدى القلقشندي تحتلها معلوماته من تلك الأقطار التي عرفها معرفة مباشرة ، وقد رأينا مثال ذلك عند الكلام على مصر والشام . ولا تقل أهمية عن ذلك تلك المعلومات التي يوردها عن البلاد التي ربطتها صلات دبلوماسية منتظمة كانت أم متقطعة بدولة المماليك . وفيما يتعلق بممالك النصارى فقد تعرض الأب لامنز Lammens لتحليل مادته في عدد من المقالات بنفس الطريقة التي حلل بها تيزنهاوزن مادته عن الأوردو الذهبي وجورجيا 73 أو كما حللها كانار Canard بالنسبة لبيزنطة 74 . غير أنه حتى بالنسبة للبلاد التي لم يكن لديه عنها معلومات باستثناء المادة الأدبية وقصص الرحالة فإنه يجب ألا نطرح سلفا هذه المادة بوصفها خالية من كل قيمة ؛ وخير مثال لهذا ما كتبه عن الهند فإن المصادر التي اعتمد عليها في هذا الصدد 75 ابتداء من العمرى إما أن تكون قد طبعت أو عرفت في مخطوطاتها بحيث أضحت مادته عنها ليست من الأهمية في المكان الذي كان يعتقد من قبل . وعلى الرغم من كل هذا فإن القلقشندي قد وفق في تقديم عرض مزود بالتفاصيل يمكن أن يستدل منه على أنه كان للعرب في ذلك العصر فكرة لا بأس بها عن الهند 76 . كل هذا يؤكد لنا صحة النتيجة التي وصلنا إليها من قبل وهي أن مصنف القلقشندي يمثل ظاهرة مبرزة فريدة في نوعها في مجال الأدب الجغرافي أيضا ويختتم بجدارة سلسلة موسوعات عهد المماليك التي