اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

415

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

يتعلق بشمال الصين وحدها معلومات جمة مروية بألفاظ عدد ممن التقى بهم 56 ؛ وكان هذا الضرب من الرحالة ينتمى إلى مجموعتين من الناس هما التجار ثم الفقهاء الذين ساقهم إلى تلك الجهات في أغلب الظن حاجة الأقليات المسلمة المهاجرة إلى قضاة وأئمة . وكان من بين هؤلاء الرحالة عدد من أهل العراق وإيران وما وراء النهر ؛ وتوكد جميع قصصهم أن الصين قد فتحت أبوابها في عهد المغول للتجار ولمن دفع بهم حب الاستطلاع إلى الضرب في الأرض 57 . وكان التجار العرب يحملون إليها الخيل وطيور الصيد والحلى الثمينة بل وحتى الآنية المطلية بالميناء من حلب 58 ؛ وتمس معلوماتهم 59 مختلف أوجه الحياة في الصين ولكن ليس في عرض منتظم إلا أنه يتميز على الأقل بالإحاطة والشمول . وقد اهتموا اهتماما خاصا بوصف نظام الإدارة وطرق المواصلات والتجارة بالطبع وبما يتصل بذلك من حرف ومهن ؛ ولم تقف معرفتهم بحياة أهل الصين عند حد الجوانب المتعلقة بالنظام النقدى وحده بل تجاوزته إلى موضوعات شتى كمهارة الصينيين في عمل الأسنان الصناعية . هذان المثالان من الغرب والشرق يقفان دليلا على الأهمية الكبرى لموسوعة العمرى كمصدر لدراسة ذلك العصر ؛ وليس ثمة حاجة إلى القول بأنها لا تقل أهمية عن بقية موسوعات عهد المماليك بوصفها مصدرا من مصادر تاريخ الأوردو الذهبي ؛ إلا أنه تجدر الإشارة في هذا المقام ولو عرضا إلى أن ترجمة تيزنهاوزن لمادته عن الأوردو الذهبي - - وما يرتبط بذلك من استنتاجات يتطلب الآن إعادة النظر في نقاط معينة وتحقيق النصوص من جديد استنادا على المصادر التي تم الكشف عنها منذ ذلك الوقت وعلى الطبعات العلمية التي أصبحت في متناول الأيدي في الستين عاما التي انقضت على ظهور هذا الأثر الذي يمثل فاتحة عهد جديد بالنسبة لدراسة تاريخ تلك الدولة . وإذا كان هذا هو مبلغ أهمية موسوعة العمرى بالنسبة للبلدان التي لم يزرها بنفسه فحرى أن تزداد قيمتها بالنسبة لبلاد دولة المماليك أي مصر والشام اللتين عرفهما المؤلف عن كتب ؛ وفي الواقع أن كلا مصنفيه يعدان من أهم آثار عصرهما في هذا المجال . والعمرى رغما من اتباعه للمذهب التاريخي التقليدى عرف كيف يحتفظ بشخصيته كمؤلف ، وقد لقيت مصنفاته تقديرا عاليا من الأجيال التالية التي تدين له بالكثير في سبيل تطوير هذا الاتجاه . ويرتبط بالعمرى ارتباطا مباشرا مؤلف آخر موسوعة كبرى لعصر المماليك وهو القلقشندي ؛ ورغما من أن نشاطه يدخل في نطاق بداية القرن الرابع عشر إلا أن الفرصة مواتية للكلام عنه في هذه اللحظة . والقلقشندي اسم معروف في ميدان التأليف التاريخي بمصر الإسلامية بل وفي العالم الإسلامي بأجمعه لذلك العصر ؛ وإلى جانب معرفة العرب الجيدة به فقد عرفه جيدا أيضا العلماء الأوروبيون منذ القرن التاسع عشر إلا أنه لم يكن من المستطاع إعطاء فكرة عن مجهوده العلمي بصورة شاملة إلا بعد ظهور كتابه في طبعة مرضية تشمل أربعة عشر جزءا وذلك في الفترة بين عامي 1913 و 1920 ؛ ويرجع الفضل في ظهور هذه الطبعة إلى مجهود ذلك العلامة المصري الذي لم يعرف الكلل إلى نفسه سبيلا وهو أحمد