اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
407
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
أو تشريح أعضائها « إذ ذلك موضوع لهم في كتب مدونة » . وهذا القول نفسه يصدق على الفن الرابع الذي يتعرض فيه للكلام على النبات فهو لا يتحدث فيه عن منافع النبات ومضاره أو ذكر ماهيته وقواه وطبائعه بل يكتفى بذكر طرف من تجارب الفلاحين والطرق التي مارسوها في علاجه والعناية به 11 . ولا ينفى مؤلفنا أن الهدف من كتابه هو تقديم جماع ما عرفه في زمانه علماء العرب واليونان والسريان فيما يخص الأرض والسماء ، وفيما عدا ذلك فإنه يغلب عنده بصورة واضحة الميل الأدبي على الميل العلمي 12 فيحفل بنماذج من النثر والشعر من كل لون معروضة عرضا جيدا يكشف عن خبرة كبيرة بالمسائل الأدبية ، وبهذا فإن كتابه لم يقف عند حد تلك العلوم التي أفرد لها « فنونا » مختلفة فحسب بل يعالج « الأدب » في معظمه 13 . وينعكس هذا بصورة أوضح في طريقة عرضه للمادة في كل باب ، فهو يصدر مواضع بحثه بالقول النقلي من آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومذاهب في التفسير ثم يعقب على ذلك بآراء العلماء من اليونان والعرب . ويلي هذا في العادة توضيح لغوى تصحبه أمثلة من مجال الأدب بمفهومه الواسع كالنوادر والأمثال والشعر 14 ؛ وهو يستشهد بعدد كبير من الشعراء من مختلف العصور 15 كما يذكر أسماء عدد وافر من الكتب 16 . والكتاب في جوهره مؤلف نقلي بالطبع ، غير أن هذه الظاهرة يجب ألا تدهشنا في محيط الأدب العربي ابتداء من القرن الثاني عشر ؛ - - وعلى أية حال فإن واحدا من البحاثة القلائل الذين فحصوا هذا المصنف فحصا دقيقا يثبت أنه أكثر جدية وأحفل مادة من كوزموغرافيا القزويني 17 وأنه لا يعكس ذلك الميل الواضح إلى العجائب كما هو الحال مع الكتاب الآخر . ومما يزيد في صعوبة التعرف على هذا المصنف أنه لم يطبع إلى الآن ، وليس هذا فحسب بل أيضا لأن مجموعات المخطوطات المختلفة لا تحتوى منه إلا على أجزاء متفرقة 18 ؛ والنسخة التامة الوحيدة المعروفة حتى الآن هي تلك الموجودة بالمكتبة المارونية بحلب والتي لفت إليها الأنظار منذ القرن الثامن عشر أحد كبار ممثلى النهضة الأدبية في الشام جرمان فرحات ( 1670 - 1732 ) 19 الذي وضع لها عناوين شاملة في عام 1727 20 ؛ ثم قام بوصف هذه النسخة بالكثير من الدقة والتفصيل عالمان مختلفان من حلب 21 أحدهما هو الذي يجب الاعتماد عليه اعتمادا تاما في التعرف على الكتاب . ونظرا لأنه مصنف نقلي متأخر لم يقتصر على الجغرافيا وحدها فإن « مباهج الفكر » لا يمثل خطوة هامة في تطور الأدب الجغرافي ؛ غير أنه لا يخلو من أهمية بالنسبة لنا لا في وصفه لذلك العصر وذلك الوسط فحسب بل لأنه يسوقنا إلى التاريخ المبكر للموسوعات فيمكننا من تبين الصلة التي تربطها بالكوزموغرافيا وبالمصنفات الأدبية الأخرى . فهذا المصنف قد لعب بلا شك دورا كبيرا في تطوير هذا النمط ويرتبط ارتباطا مباشرا بموسوعة النويري ؛ وبرهان ذلك ليس فقط في أن هذا الأخير ينقل عنه مرارا بل لأنه من المحتمل أن يكون النويري قد استعار عنه طريقة التبويب إلى « فنون » محتفظا أحيانا