اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

356

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

الفصل الثالث عشر النصف الثاني من القرن الثالث عشر يتميز القرن الذي أعقب الغزو المغولي بظهور عدد من الآثار الكبرى في محيط الأدب الجغرافي تحتل بالنسبة لأنماطها نفس المكانة التي يحتلها معجم ياقوت ولو أنها لا تبلغ قيمته : هذا وقد كسبت أسماء القزويني وأبى الفدا والدمشقي صيتا واسعا سواء في الشرق أو في محيط الاستعراب الأوروبى : غير أن هذه الأسماء أخذت تفقد مكانها وتتقهقر إلى الصف الثاني منذ أواخر القرن التاسع عشر نتيجة للكشف عن مصنفات المؤلفين السابقين لهم ؛ ورغما من هذا فقد أزاح البحث الحديث الستار عن جوانب جديدة في كتبهم لم يكن قد التفت إليها البحاثة من قبل ولهذا فمن العسير القول بأن مادتها قد درست دراسة كافية إلى يومنا هذا . ومما يميز هذا العصر أيضا كما يميز العصر السابق له تلك المصنفات الجغرافية أو المتعلقة بالجغرافيا التي تم تدوينها باللغة الفارسية والتي تمثل أوج ما بلغه هذا الفن من الأدب في تلك اللغة . وإلى جانب أوصاف الرحلات التي تتفاوت من حيث قيمتها يسترعى النظر في النصف الثاني من القرن الثالث عشر مؤلفان يرتبط أحدهما بمغرب البلاد العربية بينما يرتبط الثاني بمشرقها . فأبو الحسن على الغرناطي الذي اشتهر بابن سعيد ولد قريبا من غرناطة في حوالي عام 610 ه - 1214 ؛ ومصدر معلوماتنا عنه في الغالب هو النبذة التي كتبها عن نفسه والتي حفظها لنا المقرى في مصنفه المعروف 1 . وقد نال ابن سعيد حظه من التعليم بإشبيلية وأمضى الجانب الأكبر من حياته متنقلا في طلب العلم ؛ وكما عبر عن ذلك أحد علماء القرن التاسع عشر فإنه قد تنقل في تجواله « من المغرب الأقصى على المحيط الأطلنطى إلى الخليج الفارسي والتقى بأكابر العلماء ورأى أفضل الكتب » 2 . وقد صحب أباه في أولى رحلاته إلى الحج عام 638 ه - 1240 فزار شمال أفريقيا ومصر ؛ وفي طريق العودة توفى والده بالإسكندرية عام 640 ه - 1243 3 فتخلف ابن سعيد بالقاهرة حتى عام 648 ه - 1250 ثم غادرها إلى الشام وأقام حينا من الدهر بالموصل وبغداد والبصرة . وقبل استيلاء هولاكو على بغداد بأعوام قليلة - - تمكن ابن سعيد من متابعة دراساته بمكتباتها البالغ عددها ستا وثلاثين مكتبة والتي يصفها لنا بحماس يماثل الحماس والإعجاب الذي وصف به ياقوت مكتبات مرو لعهده . ثم رحل إلى حلب ودمشق في صحبة المؤرخ الشهير ابن العديم وحج إلى مكة مرة ثانية 4 ؛ ونلتقى به في عام 652 ه - 1254 ببلاط أمير تونس ؛ وفي عام 666 ه - 1267 خرج في رحلة أخرى فمر بالإسكندرية وحلب متجها إلى أرمينيا 5 حيث دفعه حب الاستطلاع