اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
345
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
وأيضا موسى بن ميمون . وبمصر شهد عبد اللطيف المجاعة الهائلة والوباء الفتاك الذي حدث عام 597 ه - 598 ه - 1200 - 1202 . وفي عام 604 ه - 1207 نقابله مرة أخرى بحلب ومن هناك ذهب في رحلة إلى آسيا الصغرى استمرت عدة أعوام ، وأمضى بعض الوقت ببلاط أمير أرزنجان قرب أرضروم . ومن المحتمل أنه في أثناء رحلته هذه تعرف عن كتب على أخبار المغول ، وقد حفظ لنا المؤرخ الذهبي ( توفى عام 748 ه - 1348 53 ) كثيرا من رواياته - - عنهم . ورجع عبد اللطيف إلى بغداد في شيخوخته وتوفى بها عام 629 ه - 1231 . وكان عبد اللطيف رجلا جم المعرفة ضاربا في جميع فروع العلم بسهم ، كما كان عالما دقيق الملاحظة فهو بهذا يمثل طراز العالم المحقق الذي يتوق إلى المعرفة الإيجابية مع ميل واضح إلى التجربة العلمية . ولم تقتصر معرفته على مصنفات العرب وحدهم بل عرف مصنفات اليونان خاصة أرسطو وديوسقوريدس وجالينوس . ولم يزاول مهنة الطب فقط بل كان أيضا بحاثة في العلوم الطبيعية عامة ، وهو قد طبق نظريات جالينوس على الموميات الموجودة بمصر وصحح بعض معطياته في التشريح . وقد تمكن بعد معاينة مومياء من بوصير أن يثبت على نقيض جالينوس أن الفك الأسفل لا يتكون من عظمين بل من عظم واحد 54 . ومثل هذا الاهتمام وتلك المقدرة في التحليل الدقيق يسود جميع ملاحظاته سواء عن الطبيعة أو عن الناس في جميع الملابسات . وعدد مصنفات عبد اللطيف كبير بعضها في العلوم الفقهية والأدب والبعض الآخر في العلوم الطبيعية بالمفهوم الواسع للفظ كالنبات والطب والتشريح . غير أن شخصيته تنعكس بصورة جلية في أثره المعروف لنا أكثر من غيره والذي يتصل اتصالا مباشرا بالأدب الجغرافي ، أعنى بذلك سفره الصغير عن مصر الذي عرفه العلم الأوروبى منذ نهاية القرن الثامن عشر والذي يحمل عنوان « كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر » . وكما يقرر عبد اللطيف نفسه فإن كتابه ليس سوى ملخص لمصنف كبير له في نفس الموضوع وأنه بدأ تأليفه في رمضان عام 600 ه - 1204 بالقاهرة وأتم تهذيبه ببيت المقدس عام 603 ه - 1206 ورفعه إلى أحد خلفاء صلاح الدين وهو أخوه الملك العادل « لئلا ينطوى عن العلوم الشريفة شئ من أخبار بلاده وإن تراخت أو يخفى بعض أحوال رعاياه وإن تناءت » 55 . وينقسم الكتاب إلى مقالتين تنقسم كل منهما إلى بضعة فصول ، الفصل الأول من المقالة الأولى يقدم ملاحظات عامة عن مصر ، طبيعتها وسكانها ؛ والثاني والثالث يصفان نباتها وحيوانها ، وقد أثبتت الأبحاث الخاصة في تاريخ النبات أنهما يحتويان على معطيات ذات قيمة كبيرة 56 . أما الفصل الرابع فطريف جدا في فكرته إذ يصف فيه عبد اللطيف آثار مصر القديمة ، وكما هو معروف فإن الاهتمام بالآثار القديمة ( الأركيولوجيا Achaeology ) نادر ما وجد بين العرب ، وفي هذا المضمار يمثل