اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
342
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
أما القسم التاريخي الذي يعقب هذا مباشرة فيبحث في أصل الموضع الجغرافي المذكور ونشأته والظروف التي أحاطت بذلك ، ومن سكنه والدور التاريخي الذي لعبه ؛ وكثيرا ما يصحب هذا الأخبار والأساطير المتعلقة به . وإذا جاء ذكر الموضع في القرآن أو الحديث سيقت في ذلك الشواهد ، وإذا كان قد فتحه المسلمون فيعرض لتاريخ هذا الفتح ؛ كما يورد على الدوام تقريبا أسماء كبار علمائه خاصة الفقهاء وأهل الحديث وأسماء أساتذتهم وتلامذتهم . وبخلاف هذا فليس من النادر أن يعطى ياقوت وصفا دقيقا للأمكنة والمدن التي زارها ويورد تفاصيل دقيقة عن الأبنية المختلفة والقلاع والمرافئ ، وهو كثيرا ما يقف أيضا ليصف عادات وأخلاق القبائل والشعوب كما لا يهمل الكلام عن صنوف العجائب في البلاد النائية . ويتخلل العرض أثناء ذلك ضروب من الحكايات الطريفة والنكات والقصص مع مختارات واسعة من الشعر ، وقد يضمنه قطعا ورسائل بأجمعها من المؤلفين السابقين . ونتيجة لهذا فقد تنشأ لديه أحيانا مقالة قائمة بذاتها تمتد أحيانا إلى عشر أو خمس عشرة صفحة . ومن الطبيعي ألا تظفر جميع مواد المعجم بمثل هذه الصورة الحافلة ؛ وإذا كان القسم اللغوي موجودا على الدوام فإن التاريخي قد يختفى بالطبع عند الكلام على محلة مغمورة أو غير معروفة جيدا ، وفي هذه الحالة يختفى أيضا القسم الفلكي ويرد تحديد موقع المكان بصورة تقريبية ؛ وأحيانا قد تقتصر المادة على سطر واحد فقط مع التعريف بالاسم بشكل عام . وليست بنا حاجة الآن إلى التحدث بشكل خاص عن مصادر المعجم الجغرافي لياقوت فقد رجعنا إليه أكثر من مرة في الفصول السابقة من كتابنا هذا واقتنعنا بأنه يجمع شتات المادة الجغرافية الضخمة التي تراكمت على ممر ستة قرون . ورغما عن الميل اللغوي الملحوظ عند المؤلف فإن هذا المصنف الجامع ، كما تبين لنا أكثر من مرة ، لم يقتصر على الجغرافيا اللغوية أو الوصفية بل شمل أيضا الرياضية وحفظ لنا في هذا المجال معطيات من مصادر أخرى ليست معروفة - - دائما ، الأمر الذي وضحه بالكثير من الدقة هو نغمان في كتابه عن الأقاليم السبعة . كما يتوكد هذا في مواضع أخرى من المعجم ؛ فمن بين جميع الزيجات ( أي الجداول الفلكية ) أولى ياقوت اهتماما خاصا لزيج أبى عون إسحاق بن علي 38 . وهو لم يكن معروفا لخبير كبير في الموضوع مثل نالينو Nallino الذي استطاع أن يثبت شبه هذا الزيج « بصورة الأرض » للخوارزمي 39 وذلك اعتمادا على الشذور التي حفظها لنا منه ياقوت . من هذا يتضح لنا أنه حتى في هذا المجال الذي لم يهتم له كثيرا فإن ياقوت وجد تحت تصرفه مصادر لم تصل إلى أيدينا . ومادة ياقوت متنوعة للغاية ؛ وهو لم يقصر نفسه على العالم الإسلامي وحده كما فعل ممثلو المدرسة الكلاسيكية ، كما وأنه لم يفرد أهمية استثنائية لمواضع جزيرة العرب دون غيرها كما فعل ممثلو المدرسة اللغوية . وقد رأينا كيف وزع اهتمامه بالسوية على العالم الإسلامي والشرق الأقصى وأن هذا الحكم ينطبق أيضا على معالجته لأوروبا الشرقية والشمالية . ومن الطبيعي أن معرفته بالمشرق أفضل بكثير من معرفته بالمغرب ،