اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
320
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
وبذلك اتسع موضوعه بدرجة كبيرة خاصة في المحيط الجغرافي ، وفي هذا يتركز الاختلاف الجوهري في المنهج بينه وبين الزمخشري . وتحتل مكانا بارزا من بين الأنساب التي عالجها أنساب إيران وما وراء النهر ؛ وهو يسوق أحيانا مادته إلى العصر الذي عاش فيه بل وكثيرا ما اقتصر علمنا ببعضها على روايته وحدها ، مثال هذا ما يورده تحت نسب الصيني عن شخصيات مختلفة تحمل هذا الاسم وزارت الصين في أغراض التجارة أو العلم ؛ وهو يسوق في هذا الصدد تفاصيل قد تسمح أحيانا بإلقاء ضوء على مسائل تتصل بعلاقة الصين لا ببلاد ما وراء النهر وحدها بل حتى بمناطق نائية كالمغرب 34 . هذا وقد بدأ السمعاني في وضع كتابه في عام 550 ه - 1155 ولم يلبث أن نال الشهرة التي يستحقها وأصبح خلال نصف قرن من ذلك مصدرا من المصادر الأساسية لياقوت الذي كان يحمل له تقديرا عاليا 35 . وكما هو الحال دائما فقد لاح الكتاب بالنسبة للأجيال التالية هائلا ضخم الحجم وفي حاجة إلى الإيجاز فاختصره في منتصف القرن الثالث عشر المؤرخ المشهور ابن الأثير بعنوان « اللباب » 36 ، واختصر هذا بدوره في القرن الخامس عشر عالم جم النشاط هو السيوطي وذلك تحت عنوان « لب اللباب » . وهذه الكتب عرفتها الدوائر العلمية الأوروبية بفضل طبعاتها الجزئية منذ السنوات الثلاثينات من القرن الماضي ؛ أما كتاب السمعاني نفسه فقد تأخر ظهوره رغما عن أهميته الكبرى إلى عام 1912 . وإخراج طبعة علمية مستوفاة لأثر ضخم متعدد النواحي مثل « كتاب الأنساب » أمر - - ليس باليسير ولعل ناشرى « سلسلة جب التذكارية » Gibb Memorial Series فعلوا خيرا حينما اكتفوا بنشر المخطوطة المحفوظة بالمتحف البريطاني على هيئة طبعة مصورة طبق الأصل ( Facsimile ) . ويجب ألا يغيب عن الذهن أن هذه المخطوطة ليست أفضل المخطوطات الموجودة وأن قراءتها تتطلب أحيانا غير قليل من العناء والمشقة وذلك لخطها الدقيق الذي تصعب قراءته في بعض المواضع . ولدينا بالاتحاد السوفيتى لحسن الحظ مخطوطة بمعهد الدراسات الشرقية جلبت من تركستان ويمكن على ضوئها تصحيح مخطوطة المتحف البريطاني ، وهي من ناحية القيمة أفضل من الطبعة المصورة رغما عن أن الاثنتين ترتفعان إلى أصل واحد على ما يظهر 37 ؛ وعلى نقيض المختصرات المتأخرة التي عملت للكتاب والتي فقدت إلى حد كبير قيمتها العلمية حاليا فإن « كتاب الأنساب » للسمعانى سيبقى على أغلب الاحتمال محتفظا على الدوام بقيمته فيما يتعلق بالمسائل التاريخية ، والجغرافية المرتبطة ببلاد ما وراء النهر . وأحد السابقين لياقوت مباشرة قد أفاد ياقوت كثيرا من مصنفه ولكن لا يمكن اعتباره عالما على الإطلاق بل رحالة ، ورحالة ذا أهداف معينة ، وهو على الهروي ( توفى عام 611 ه - 1215 ) ، وكما تدل نسبته فأصله من هرات ولكنه ولد بالموصل وارتبطت حياته بالبلدان الغربية للعالم الإسلامي 38 . وقد أمضى معظم حياته في التجوال حتى لقب « بالسائح » ، ولكن تجواله لم يكن في طلب العلم أسوة