اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
281
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
« فمن بعض معارفه السنية ونزعاته الشريفة العلوية أنه لما اتسعت أعمال مملكته وتزايدت همم أهل دولته واطاعه البلاد الرومية ودخل أهلها تحت طاعته وسلطانه أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ويقتلها يقينا وخبرة ويعلم حدودها ومسالكها برا وبحرا وفي أي إقليم هي وما يخصها من البحار والخلجان الكاينة بها مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة - - التي اتفق عليها المتكلمون وأثبتها في الدفاتر الناقلون والمؤلفون ، وما لكل إقليم منها من قسم بلاد يحتوى عليه ويرجع إليه ويعدّ منه بطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفن من علم ذلك كله مثل كتاب العجائب للمسعودي وكتاب أبى نصر سعيد الجيهانى وكتاب أبى القسم عبيد اللّه بن خرداذبه 63 وكتاب أحمد بن عمر العذرى وكتاب أبى القسم ( 63 ) محمد الحوقلى البغدادي وكتاب جاناخ بن خاقان الكيماكى وكتاب موسى بن قاسم القردى وكتاب أحمد بن يعقوب المعروف باليعقوبي وكتاب إسحق بن الحسن المنجم وكتاب قدامة البصري وكتاب بطلميوس الأقلودى وكتاب أرسيوس الأنطاكي ، فلم يجد ذلك فيها مشروحا مستوعبا مفصلا بل وجده فيها مغفلا فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن فباحثهم عليه وأخذ معهم فيه فلم يجد عندهم علما أكثر مما في الكتب المذكورة ، فلما رآهم على مثل هذه الحال بعث إلى سائر بلاده فأحضر العارفين بها المتجولين فيها فسألهم عنها بواسطة 64 جمعا وأفرادا فما اتفق فيه قولهم وصح في جمعه نقلهم أثبته وأبقاه ، وما اختلفوا فيه ألغاه وأزجاه ، وأقام في ذلك نحوا من خمس عشرة سنة لا يخلى نفسه في كل وقت من النظر في هذا الفن والكشف عنه والبحث عن حقيقته إلى أن تم له فيه ما يريده ثم أراد أن يستعلم يقينا صحة ما اتفق عليه القوم المشار إليهم في ذكر أطوال مسافات البلاد وعروضها 65 فأحضر إليه لوح الترسيم 66 وأقبل يختبرها بمقاييس 67 من من حديد شيا فشيا مع نظره في الكتب المقدّم ذكرها وترجيحه بين أقوال مولفيها وأمعن النظر في جميعها حتى وقف على الحقيقة فيها فأمر عند ذلك أن يفرغ له من الفضة الخالصة دائرة مفصلة 68 عظيمة الجرم ضخمة الجسم في وزن أربعمائة رطل بالرومي في كل رطل منها - - مائة درهم واثنا عشر درهما 69 فلما كملت أمر الفعلة أن ينقشوا فيها صور الأقاليم السبعة ببلادها وأقطارها وسيفها وريفها وخلجانها وبحارها ومجارى مياهها ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها وما بين كل بلد منها وبين غيرها من الطرقات المطروقة والأميال المحدودة والمسافات المشهودة والمراسى المعروفة على نص ما يخرج إليهم ممثلا في لوح الترسيم ولا يغادروا منه شيئا ويأتوا به على هيئته وشكله كما يرسم لهم فيه وأن يولفوا كتابا مطابقا لما في أشكالها غير أنه يزيد عليها بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها وأماكنها وصورها وبحارها وجبالها وأنهارها ومواتاتها ومزروعاتها وغلاتها وأجناس بنائها وخواصها والاستعمالات التي تستعمل بها والصناعات التي تنفق بها والتجارات التي تجلب إليها وتحمل منها والعجائب التي تذكر عنها وتنسب إليها وحيث هي من الأقاليم السبعة مع ذكر أحوال أهلها وهيئاتهم وخلقهم ومذاهبهم وزينهم وملابسهم ولغاتهم وأن يسمّى هذا الكتاب بنزهة المشتاق في اختراق الآفاق وكان ذلك في العشر الأول من ينير