اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
258
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
في عصره يشير إلى النقيض ؛ ولعله لم يكن على علم بذلك أو أنه بجاهله عن قصد . فقد وجد في القرن السابق عليه مصنف مثل « حدود العالم » . وحتى إذا سلمنا جدلا بأن البيروني لم يجد في الأدب الجغرافي ما يجعله أهلا لحمل اسم العلم فإننا نجد أمثلة تدل على أن اللغة الفارسية قد استعملت في ذلك العهد في ميدان العلوم الطبيعية ؛ فبين عامي 357 ه - 968 و 366 ه - 977 وضع موفق الهروي ، وهو أحد المقربين من السامانيين ، كتابه في الصيدنة باللغة الفارسية معتمدا في ذلك كما - - هو الحال مع كتاب البيروني لا على العناصر العربية وحدها بل أيضا على العناصر اليونانية والسريانية والهندية . وهو ذو أهمية لا بالنسبة لتاريخ الطب والكيمياء فحسب بل وبالنسبة لتاريخ اللغة الفارسية كذلك 102 . والطريف في الأمر أن أقدم مخطوطاته ترجع إلى عام 447 ه - 1056 103 ، أي أنها تكاد تكون معاصرة للبيرونى . وأما استعمال اللغة الفارسية في محيط الأدب التاريخي والجغرافي فقد أضحى منذ ذلك العهد أمرا مألوفا حتى في الوسط الذي كتب فيه البيروني ؛ ويبدو أنه لم يشاطره أحد ممن عاش في ذلك الوسط موقف الريبة الذي وقفه من اللغة الفارسية . وواحد من هؤلاء المؤرخين الذين كتبوا بالفارسية وهو كرديزى يذكر أنه استمع إلى البيروني . وكرديزى ينتسب كما يتضح من اسمه إلى محلة تقع إلى الجنوب عن غزنة على الطريق إلى الهند ؛ ولم يمكن العثور على أية معلومات تتصل بسيرة حياته 104 . ويرجع الفضل إلى حد بعيد إلى دراسات المستشرق الروسى بارتولد في تعريف الوسط العلمي بكتابه « زين الأخبار » الذي لم يطبع طبعة كاملة إلى الآن . وقد تم تأليفه في عهد السلطان الغزنوي عبد الرشيد ( 440 ه - 444 ه - 1049 - 1051 ) ، وهو يمثل في جوهره مصنفا تاريخيا يعالج تاريخ الأكاسرة وتاريخ محمد والخلفاء إلى عام 423 ه - 1032 وتاريخ خراسان من الفتح العربي إلى عام 432 ه - 1041 . وقد أضيفت إلى الكتاب فصول عن العلوم اليونانية والتقاويم والأعياد الدينية لمختلف الشعوب . وفي القسم الأخير من الكتاب يرد الكلام على الأنساب والعلوم عامة ، وعقد فيه المؤلف فصلا عن الترك 105 يمثل أهمية كبيرة بالنسبة لجغرافيا آسيا الوسطى وهو ذلك الفصل الذي قام بارتولد بدراسته دراسة مفصلة . أما الفصل عن الهند فيستشهد فيه مرارا بالبيرونى ، كما يدين فيه بالكثير إلى الجيهانى أيضا 106 . وفي فصله عن الترك يذكر من بين مصادره ابن خرداذبه والجيهانى 107 . ومن بين المصادر التي لا يسيميها يحتل ابن رسته مركزا رئيسيا خاصة في الأجزاء التي تمس أوروبا الشرقية ، هذا بالرغم من أن المؤلف لم يشر إليه ولو مرة واحدة 108 . أما فيما يتعلق بالقسم التاريخي فإن مصنفه ينال أهمية خاصة لأنه يعتمد فيه إلى حد كبير على كتاب « تاريخ خراسان » للسلامى 109 الذي لم يصل إلينا والذي يرجع تاريخ تأليفه إلى منتصف القرن الرابع الهجري ( التاسع الميلادي ) . وفي وصفه للصين يمثل أهمية قصوى وصفه للطريق بين طرفان Turfan وخمدان Khumdan عاصمة الصين آنذاك ؛ ولا تزال في هذا الوصف جوانب عديدة غير واضحة ، ورغما