اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

247

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

في هذه الفترة بالذات عددا من المؤلفات الضخمة من بينها كتابه المشهور عن الهند . وإلى خليفة محمود وهو ابنه السلطان مسعود رفع البيروني كتابه الكبير « القانون المسعودي » . ويلوح أن وضعه آنذاك - - كان قد تحسن بعض الشئ فخصص له راتب منتظم وتمتع بحرية التنقل ، ومن ثم فقد استطاع في حوالي عام 1034 أن يزور مسقط رأسه خوارزم ، ولم نعد بعدها نسمع بشكاياته 14 . والظاهر أن الأعوام الأخيرة من حياته كانت هادئة إلى حد ما ؛ وفي عهد مودود الذي خلف مسعود وضع البيروني كتابه في « الصيدنة » وهو آخر مؤلفاته الكبرى ؛ وتوفى البيروني بغزنة في الثالث من رجب عام 44 ه الموافق 13 ديسمبر 1048 15 . وعلى الرغم من أن اسم البيروني يجد مكانه في الأدب العربي في ميدان الجغرافيا والرحلات 16 ، إلا أنه كما يتبين لنا من المصنفات التي مر ذكرها فإن البيروني لم يكن جغرافيا ؛ أو على الأصح لم يكن جغرافيا بقدر ما كان مؤلفا واسع المعرفة شمل نشاطه كل دائرة العلوم المعاصرة له والتي تحتل من بينها العلوم الرياضية والفيزيائية المكان الأول بالنسبة له ، بل وربما كانت أيضا العلوم التاريخية والطبيعية ليست أقل مكانة عنده من تلك ؛ ويؤكد هذا رسائله الموجزة التي وصلنا منها نحو العشرين ، وأيضا ثبت مؤلفاته الذي وضعه بنفسه والذي يصل إلى عام 428 ه - 1037 17 . وقد بلغ محيط دراساته حدا أصبح معه من الأيسر تعداد فروع العلوم التي لم تجتذبه إليها عما اجتذبه فعلا . فلا نستطيع مثلا أن نلمس أثرا لاشتغاله بعلوم الشريعة ، ويبدو أنه لم يذهب فيها إلى أبعد من الحد المفروض على كل مسلم مثقف . وإذا كانت اللحظات الأخيرة من حياته قد أمضاها كما تقول إحدى الحكايات 18 في فحص حالة معقدة تتصل بالتركات فهذا يمكن تفسيره بأن هذه الموضوعات بالذات كانت ترتبط بمسائل الرياضة والجبر ؛ وقد أولاها الخوارزمي الفلكي المعروف من قبل الكثير من الاهتمام . وكانت العلوم الاجتماعية تمثل عند البيروني أهمية كبرى ، وهو نفسه لم يكن غريبا على الشعر كما يتضح من الأبيات الشعرية التي خلفها لنا ؛ وعلى أية حال فقد كان على معرفة جيدة بالشعراء ووضع في ذلك بضع مصنفات لم تصل إلينا . ومعرفته بالشعر تنعكس بصورة أكثر وضوحا في مؤلفاته ذات الطابع التخصصى ، ففي كتابه في « الجواهر » مثلا يستشهد بما يقرب من ثمانين شاعرا عربيا 19 . ولم تصلنا مؤلفاته التاريخية التي عالج فيها تاريخ الفرق وتاريخ موطنه خوارزم وتاريخ الغزنويين الأول ، وليس ثمة ما يوجب الكلام عن الأهمية القصوى التي كانت ستمثلها جميع هذه المؤلفات ولكن يبدو أنها أصبحت نادرة الوجود منذ عهد مبكر ؛ فياقوت ، وهو الذي كان على علم بكتاب البيروني في تاريخ خوارزم ، لم يكن هذا الكتاب في متناول يده عندما دون معجمه الجغرافي 20 . ويبدو أن البيروني لم يشعر بميل - - إلى الفلسفة المجردة ، وفقط من مراسلاته مع ابن سينا في سنى الشباب يمكن الاستدلال على معرفته بها . وهو لم يعتبر نفسه ذا خبرة في ميدان الطب خاصة الجانب العملي منه ؛ وفي آخر كتاب له وهو كتابه في « الصيدنة » يؤكد عدم عزمه على أن يمس مسألة الاستعمال الطبى للأدوية 21 .