اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
18
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
عندما أراد وضع قائمة بأسماء الاندلسيين الذين رحلوا إلى المشرق في طلب العلم وحده وليس بغرض التجارة أو الحج ، معترفا رغما عن ذلك بأنه لم يستوعب كل الأسماء 1 . ويزيد في الاهتمام بالأدب الجغرافي أحيانا طابعه الفنى الحي ، ويكفى أن نتذكر في هذا الصدد مصنفات من طراز أسفار السندباد ، تلك القصص الجغرافية الفريدة في نوعها . ويمكن بوجه عام تمييز اتجاهين أساسيين في الأدب الجغرافي العربي ، فهو من ناحية يولى وجهه شطر العلوم ، أعنى العلوم الدقيقة وذلك بالمعنى الذي نفهمه حاليا إذا ما أردنا تحديد علم الجغرافيا ؛ ومن ناحية أخرى فهو يولى وجهه شطر الأدب الفنى بالغا ببعض آثاره في هذا المجال ذروة الإبداع . وقد أدرك العرب أنفسهم هذا الطابع المزدوج لعلم الجغرافيا وبينوه بدقة في تصنيفهم للعلوم . وهم قبل أن يتوصلوا إلى وضع التصنيف على أسس منطقية صارمة ، بل وقبل أن يتعرفوا على نظام التصنيف الثلاثي Trivium ( النحو والبيان والجدل ) والرباعي Quadrivium ( الحساب والهندسة والفلك والموسيقى ) 2 الذي ساد بالتالي في أوروبا الوسيطة ، أقول قبل هذا قسم العرب العلوم من وجهة نظرهم الخاصة معتمدين في ذلك على سير تطورها التاريخي . ففي العهد الإسلامي قسمت العلوم إلى « العلوم القديمة » و « العلوم الحديثة » 3 . فالمجموعة الأولى ( وهي اللغة والكلام والفقه والتاريخ ) أرجعوا نشأتها إلى العصر الأموي ، أما الثانية ( وهي الفلك والرياضة والطب والفلسفة ) فإلى العصر العباسي . وقد ضموا الجغرافيا إلى العلوم الدقيقة ، أقرب ما يكون إلى الفلك . وهم لم يتنكبوا الصواب في ذلك ، ففي الواقع نشأت الجغرافيا الرياضية والفلكية بين ظهرانيهم في نهاية القرن الثامن أو بداية التاسع الميلادي نتيجة لتعرفهم واتصالهم بالعلوم الهندية أولا ثم اليونانية بعد ذلك حيث طغت في الأخيرة على جميع المؤثرات شخصية بطلميوس Ptolemaeus « * » بمصنفاته الفلكية الجغرافية . ومنذ ذلك الوقت سار تطور الجغرافيا العلمية عند العرب من غير توقف إلى العصور المتوسطة الأخيرة ، محتفظة على الدوام بصلتها بتقاليد المصنفات الأولى في هذا الميدان . وفي موازاة هذا الاتجاه وجد اتجاه آخر تشكل معه في وقت واحد ، بل وربما تشكل قبله تبعا لبعض المصادر ، أعنى منهج الجغرافيا الوصفية التي يرتبط بها ارتباطا وثيقا قصص الرحلات . وهو من بعض الوجوه ، خاصة في بداية ظهوره ، يرتبط بعلوم الشريعة - - وباللغة ثم بالأدب الفنى ، الأمر الذي لم يحل بالطبع دون تشبعه بين آونة وأخرى بالجغرافيا العلمية . ولكن يجب الاعتراف بأن المنهج الثاني ، أي منهج الجغرافيا الوصفية ، هو الذي يسترعى النظر بغزارة مادته وهو الذي يغلب على الأدب الجغرافي العربي ويسبغ عليه طابعه المميز ويعطيه شكله الخاص به مما يصعب إيجاد مثيل له في آداب الأمم الأخرى . وهذا الطابع المتنوع ، أقول بل هذا التلون في الأدب الجغرافي العربي ،
--> ( * ) هذه هي الطريقة الصحيحة لكتابة هذا الاسم ، أي أن تسبق الميم الياء لا العكس . ( المترجم )