اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

232

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ولعل مصنف ابن القاص لم يكن ليتمتع بشئ من الذيوع لو اقتصر الأمر على المخطوطة الوحيدة التي أمكن الكشف عنها حتى الآن ، ففي الواقع أن آثار معرفة الآخرين به يمكن ملاحظتها لدى عالم رزين كالبيرونى ؛ غير أن الطريف في الأمر أن البيروني لا يرجع إليه فيما يتعلق بمسائل الجغرافيا الرياضية بل بصدد قصة « النار المباركة » في بيت المقدس 120 ، ولكن من الجائز أن يكون الدافع الذي حفز البيروني إلى التعرف عليه هو القسم الفلكي الرياضى من كتابه . ومثل ابن القاص ليس هو الفريد لعالم عربى ترك لنا مصنفا في الجغرافيا دون أن يكون هو نفسه عالما جغرافيا أو رحالة ، فالمؤلفات التي ترتبط بالجغرافيا من جانب واحد لا تقع تحت حصر ، غير أن إغفال ذكرها من شأنه أن يقدم صورة ناقصة للعرض العام لتاريخ الأدب الجغرافي . ويهمنا من وجهة نظرنا هذه في القرن العاشر - - تلك المؤلفات الببليوغرافية والاصطلاحية الفريدة في نوعها ، وكذلك بعض مصنفات أخرى يمكن في أحوال أخرى أن تندرج في محيط الأدب الفنى . لقد وضح في الفصول السابقة من هذا الكتاب إلى أي مدى كان اعتمادنا على كتاب « الفهرست » المشهور ، ذلك الكتاب الذي يعتبر محاولة فريدة في نوعها لعرض تاريخ الأدب العربي 121 . وهو قد أصبح مرجعا عاما في جميع فروع التاريخ والأدب والعلم العربية مند السنوات السبعينات من القرن التاسع عشر بفضل الطبعة التي عنى بتحضيرها فليغل Flu ? gel والتي لم تر النور إلا بعد وفاته . وفي العشرين عاما الأخيرة فقط بدأت تبرز إلى الوجود إمكانية تكوين فكرة عامة عن الكتاب في مجموعه بصورة أكثر دقة ووضوحا ، كما بدت الحاجة ماسة إلى إخراج طبعة علمية جديدة له رغما عن المجهود الكبير الذي كان قد بذله فليغل . ولم يكن السبب في هذا هو الكشف عن مخطوطات جديدة للكتاب باستنبول فحسب ، بل أيضا التطور العام لمنهج البحث العلمي منذ السنوات السبعينات 122 . أما عن المؤلف نفسه فلا نعرف الكثير ، كما هو الشأن مع عدد غفير من المؤلفين . وجميع معلوماتنا عنه بالتقريب يجب استنباطها من كتابه نفسه 123 ، فاسمه الكامل وفقا لمخطوطات الكتاب هو أبو الفرج محمد بن إسحاق النديم الوراق البغدادي ، ومن هذا يتبين أن أباه كان يتاجر في الكتب ببغداد . ويبدو أنه صحب أباه في شؤون تتعلق بتجارة الكتب فزار الموصل مرارا ؛ أما الزعم القائل بأنه قد زار القسطنطينية ، ذلك الزعم الذي لا يزال يتردد في الأوساط العلمية إلى أيامنا هذه 124 ، فيستند على محض سهو لفت إليه الأنظار منذ عهد طويل المستشرق روزن . ويمكن أن نلمس في كتاب ابن النديم وجود عواطف معينة نحو الشيعة . وفي عام 377 ه - 987 - 988 فكر ابن النديم في وضع مصنف من أجل الوراقين ومحبي الكتب ، واتخذ لنفسه غاية معينة ذكرها في مقدمة كتابه حيث يقول :