اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
226
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
في كتابه 59 . ولا ريب كذلك في التأثير البالغ للمدرسة اللغوية عليه وأيضا المجموعات العديدة من صنوف العجائب Mirabilia ؛ وأخيرا نصل إلى أدب الحديث الذي وجد مكانه في الفصل الأخير المتعلق بالأخرويات . من كل هذا يتبين لنا أن مضمون الكتاب متنوع جدا وأن المؤلف يفتقر افتقارا تاما إلى الأصالة . - - فإذا ما انتقلنا من هذا إلى المادة التي يوردها في مجال الجغرافيا الوصفية لألفيناها شحيحة في الواقع ؛ وقد أثبت هذا فيران Ferrand عند فحصه للفقرات المتعلقة بالهند وأرخبيل الملايو 60 . ومن الملاحظ أن ياقوت 61 يعترف بأنه أخذ عن طاهر المقدسي الرواية التي يذكر فيها أن الروس يقيمون بجريرة موبوءة تحيط بها بحيرة 62 ؛ وهذه الرواية معروفة بدورها لكل من ابن رسته وكرديزى وقد اجتذبت إليها أنظار الباحثين أكثر من مرة 63 . ولا يخلو من طرافة نزوع المقدسي في الفصل الجغرافي 64 من كتابه وأيضا في الفصول الأخرى إلى النصح والإرشاد على حساب المادة التي يسوقها 65 . لهذا ، وأيضا بالإضافة إلى القسم الرياضى من الفصل الجغرافي ، فإن « كتاب البدء والتاريخ » ينضم إلى « رسائل إخوان الصفاء » التي ظهرت في نفس ذلك الوقت تقريبا والتي تعرض في الفصل المشابه لهذا نفس الآراء البطلميوسية التي ثبتت في القرن التاسع 66 . ولعل هذا الاتفاق ليس وليد الصدفة المحضة فقد وردت لدى بعض مؤلفي هذه المجموعة ، الذين نادرا ما يشيرون إلى مصادرهم ، الإشارة إلى شخص يدعى المقدسي البستي . حقا إن الأسماء الأولى تختلف ؛ كما وأن النسبة الثانية ترد أحيانا في صيغة أخرى ، ولكن رغما عن هذا فإن التقارب في النسبة يثير بعض التساؤل خاصة على ضوء الشبه بين القسمين الجغرافيين الذي أشرنا إليه . أما مجموعة إخوان الصفاء نفسها فهي تمثل أهمية كبرى ليس فيما يتعلق بالقسم الجغرافي بقدر ما يتعلق بالدور الذي احتلته الجماعة كظاهرة ثقافية كبرى لمنتصف القرن العاشر . ففي هذا العصر الذي لحقت فيه عوامل الضعف والوهن بمذهب أهل السنة الذي ازدهر مدة قرن من الزمان عقب خلافة المتوكل ثم ضعفت شوكته نتيجة لارتفاع نجم البويهيين المعروفين بميولهم الشيعية ، أقول في هذا العصر كان يجتمع بالبصرة جماعة من المفكرين في محيط الدين والفلسفة اتخذوا لنفسهم اسم « إخوان الصفاء وخلان الوفاء » 67 ، إشارة إلى إحدى حكايات « كليلة ودمنة » 68 . ومن العسير معرفة ما إذا اتخذت هذه الجماعة شكلا معينا أو أن نفوذها قد امتد إلى بغداد ، ولكن وضح في الأعوام العشرة الأخيرة بما لا يدع مجالا للشك أنها كانت قريبة من دوائر الإسماعيلية وتنتصر لمذهبهم . ويجب ألا يعزب عن البال أنه - - إلى هذا العصر بالذات يرجع تمكين سلطان الفاطميين بمصر ونشاط الدعوة الإسماعيلية بخراسان 69 .