اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

223

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

قد أفاد من وصفه للبحار 32 ، وهو أشبه بوصف البتانى الذي مر بنا ذكره فيما تقدم من هذا الكتاب . من كل هذا يمكن الخروج بنتيجة مؤداها أن كتاب الجيهانى رغما عن النقد الذي وجهه إليه المقدسي يستحق اهتماما كبيرا وأن العثور عليه سيكون من شأنه إلقاء الضوء على مسائل عديدة من ميدان الأدب الجغرافي العربي للقرن العاشر . ويرتبط بكتاب الجيهانى إلى حد ما مصنف بارز يرجع إلى الربع الأخير من القرن العاشر وتم تأليفه في المنطقة الواقعة حاليا في شمال شرقي أفغانستان ، ذلك هو الكتاب الفارسي المجهول المؤلف « حدود العالم من المشرق إلى المغرب » 33 . وبالرغم من أنه مكتوب بالفارسية إلا أنه يجدر بنا الوقوف عنده لا لأنه وجد زعم يقول بأنه ترجم عن العربية في الأصل 34 بل أيضا لارتباطه الوثيق بالتراث العربي بحيث لا يكتمل الوصف العام للأدب الجغرافي بدونه . والمخطوطة الوحيدة المعروفة لنا لهذا الأثر كشف عنها المستشرق الروسى طومانسكى Tumanski في عام 1892 ومن ثم فقد نسبت إليه في الدوائر العملية فأصبحت تعرف باسم « مخطوطة تومانسكى المجهولة المؤلف » L'Anonyme de Tumanski . وبعد أبحاث كثيرة حول المصنف ظهرت طبعة مصورة له ( Faeslmile ) قام بنشرها بارتولد في عام 1930 ، ثم تلى ذلك ظهور ترجمة إنجليزية علمية تصحبها تعليقات وافية بقلم مينورسكى في عام 1937 . ويمكن القول بلا تردد أنه لا يوجد مصنف جغرافى من العصر الكلاسيكى ظفر بترجمة مثل هذه جعلت منه بحق كنزا في متناول أيدي الجميع 35 . ورغما عن هذا فلا يزال الكتاب إلى الآن مجهول المؤلف ، ولكن ثبت بالتحديد أنه ألف حوالي عام 372 ه - 982 لأمير ناحية كزكان أو كزكانان ( جزجان في شكلها العربي ) من أسرة صغيرة حاكمة هي آل فريغون . والمؤلف فيما يبدو كان عالما نقليا لم يعرف التجوال أو الترحال ؛ وهو لا يميل إلى ذكر مصادره ولكنه يشير مرة أو مرتين إلى كتاب أرسطوطاليس في « الآثار العلوية » Meteorology ويذكر أيضا بطلميوس 36 الذي استعمله بالطبع في ترجمة عربية . وصلته بالأخير أمر لا يرقى إليه الشك فإن أسلوبه في توزيع البلاد بطلميوسى صرف - - ولكنه يهمل الأطوال والعروض ، ولو أن هذا لم يمنعه أحيانا من الاحتفاظ ببعض الأصالة كوصفه للبحار السبعة . ولم يقف إغفاله ذكر المراجع حائلا دون التعرف على مصادره مع البحث العميق والتقصي ؛ ويرى بارتولد أن مصدره الأساسي هو الجيهانى وأنه أفاد بنفس القدر من مصنفات جغرافيى المدرسة الكلاسيكية خاصة من المسودات المختلفة لكتاب الإصطخرى . كما يمكن أن نذكر ابن خرداذبه كمصدر من مصادره الأساسية عن الأقطار الواقعة خارج العالم الإسلامي ؛ ويقينا أنه اعتمد في ذلك على نسخة كاملة منه لم تصل إلينا . وبالطبع كان تحت تصرف المؤلف آثار المؤلفين السابقين التي تنعكس في أقسام مختلفة من كتابه ولكنها لم تلعب دورا جوهريا ، ولا يزال الأمر يحتاج إلى دراسة دقيقة مهد لها السبيل إلى حد كبير العلامة مينورسكى .