اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
219
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الفصل الثامن جغرافيو القرن العاشر الآخرون إن المصنفات التي وضعها جغرافيو المدرسة الكلاسيكية لتعجز عن أن تستوعب جميع نتاج الأدب الجغرافي في القرن العاشر ، ولقد تبين لنا من خلال أحد الفصول السابقة أن عدد الرحالين الذين خلفوا آثار مدونة عن تجوالهم كان كبيرا جدا بحيث لا يضارعه كثرة إلا تلك المصنفات التي يصعب اعتبارها جزءا من الأدب الجغرافي إما لأنه تعوزنا المادة اللازمة للحكم عليها أو لأنها تدخل في نطاق هذا الأدب بطريقة ما . فمن بين مصنفات النوع الأول يتمتع واحد منها بصيت واسع في الأدب الجغرافي القديم ولكنه غير معروف لنا حتى الآن بصورة مباشرة ، ومؤلفه هو وزير السامانيين أبو عبد اللّه محمد بن أحمد ابن نصر الجيهانى 1 الذي مر بنا ذكره أكثر من مرة بوصفه راعيا ومشجعا للدراسات الجغرافية وللرحالين . وقد طوقت رعايته حينا من الدهر مؤسس المدرسة الكلاسيكية أبا زيد البلخي ، كما خرج على عهده أيضا أبو دلف في أسفاره النائية ولعله قد رفع إليه الرسالتين اللتين وضعهما عن رحلته ، كما التقى به ابن فضلان خلال مروره ببخارى في رحلته إلى الأصقاع الشمالية . ومن الجلى أن منصبه كوزير قد ساعده في تأليف كتابه هذا الذي اعتمد فيه على المؤلفات السابقة له وعلى رصيد كبير من الأسئلة والاستفهامات . ومصدرنا الأساسي للحكم على الطابع العام للكتاب هو المقدسي ؛ فقد كتب في مقدمته المعروفة لنا جيدا يقول : « أما أبو عبد اللّه الجيهانى فإنه كان وزير أمير خراسان وكان صاحب فلسفة ونجوم وهيئة فجمع الغرباء وسألهم عن الممالك ودخلها وكيف المسالك إليها وارتفاع الخنّس منها وقيام الظل فيها ليتوصل بذلك - - إلى فتوح البلدان ويعرف دخلها ويستقيم له علم النجوم ودوران الفلك ألا ترى كيف جعل العالم سبعة أقاليم وجعل لكل إقليم كوكبا مرة يذكر النجوم والهندسة وكرّة يورد ما ليس للعوام فيه فائدة وتارة ينعت أصنام الهند وطورا يصف عجائب السند وحينا يفصّل الخراج والردّ ورأيته ذكر منازل مجهولة ومراحل مهجورة ولم يفصّل الكور ولا رتب الأجناد ولا وصف المدن ولا استوعب ذكرها بل ذكر الطرق شرقا وغربا وشمالا وجنوبا مع شرح ما فيها من السهول والجبال والأودية والتلال والمشاجر والأنهار وبذاك طال كتابه وغفل عن أكثر طرق الأجناد ووصف المدائن الجياد » 2 .