اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

214

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

أقسام غير متساوية الحجم ، ففي القسم الأول يرد الكلام على أقسام المنطقة ومدنها والمواضع العامرة منها ؛ أما القسم الثاني فيبحث في المناخ والزرع والطوائف واللغة والتجارة والأوزان والنقود والعادات والمياه والمعادن والأماكن المقدسة وأخلاق السكان والتبعية السياسية للقطر والخراج ؛ هذا في حين يتناول القسم الثالث ذكر المسافات وطرق المواصلات 85 . وليس من العسير أن نلاحظ أن المقدسي قلّ أن يولى اهتمامه للجغرافيا الطبيعية كأن يصف مثلا الجبال والمياه إلخ ، ولكنه في مقابل ذلك يقدم لنا لأول مرة مجموعة هائلة من المعلومات عن التجارة والمعتقدات والعادات . ويبدأ وصف المناطق المختلفة ، وذلك وفقا للترتيب المشار إليه ، بجزيرة العرب فالعراق فأقور « * » فالشام فمصر فالمغرب فبادية الشام التي ينتهى بها القسم الأول . أما القسم الثاني فيبدأ بالمشرق الذي يقسمه المقدسي إلى بلاد الهياطلة وخراسان والديلم وأرمينيا ومعها أذربيجان والجبال وخوزستان وفارس وكرمان والسند ومفازة فارس . وهكذا نجد أن الجزء الأساسي من كتابه إنما يسير حسب المنهج العام للمدرسة الكلاسيكية على الرغم من استطرادات المؤلف العديدة . ولعل لغة المقدسي وأسلوبه ينتميان لا إلى أعسر أساليب هذه المدرسة فحسب بل إلى أعسر أساليب « مكتبة الجغرافيين العرب » Bibliotheca Geographorum Aabicorum اطلاقا . وإذا كان الاصطخري يتبع أسلوبا مبسطا في كتابه ويمكن تفسير بعض الوعورة فيه بأن اللغة العربية لم تكن لغته الأصلية ، وأن ابن حوقل بدوره لا يخلو من آثار الصنعة والتكلف والميل إلى السجع فإن المقدسي قد أوفى على الغاية في هذا الباب ، إذ بالرغم من تملكه لناصية اللغة نراه يلجأ إلى الصنعة المرهقة فيفسح المجال للسجع لا في بداية الكتاب وخاتمته فحسب بل وفي صلبه أيضا ، ولداع أو لغير داع . ويحفل متن المقدسي بالألفاظ الصعبة القليلة الاستعمال لأنه كان يميل بعض الشئ إلى غريب اللغة . وهو يقول في خاتمة أحد الفصول الأولى : « وسنتكم في كل إقليم بلسانهم ونناظر على طريقتهم ونضرب من أمثالهم لتعرف - - لغنهم ورسوم فقهائهم ، فإن كنا في غير الأقاليم مثل هذه الأبواب تكلمنا بلغة الشام لأنها إقليمى الذي به نشأت . . . ألا ترى إلى بلاغتنا في إقليم المشرق لأنهم أصحّ الناس عربية لأنهم تكلفوها تكلفا وتعلموها تلقّفا ، ثم إلى ركاكة كلامنا في مصر والمغرب وقبحه في ناحية البطائح لأنه لسان القوم » 86 . ومن كتابه يتبين أن المقصود بهذا بالتأكيد ليس لغة الكلام التي لا يلتفت إليها الأدباء عادة ، إنما يعنى بالذات الاختلاف في استعمال الألفاظ الكتابية بين المناطق المختلفة . ومن الواضح أن مثل هذا يصعّب كثيرا من لغة المقدسي وأسلوبه ، ولعل هذا من الأسباب التي حالت دون ظهور ترجمة لكتابه إلى الآن ، شأنه في هذا شأن بقية ممثلى المدرسة الكلاسيكية . والترجمة

--> ( * ) أقور أو أثور منطقة شمال العراق ، أي الجزيرة Mesopotamia . ( المترجم )