اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

189

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

الواقع بل هي جمع لشتات ما قرأه وسمعه من آخرين 43 » . وهذه الآراء قد رددها غريغوريف دون تعديل في المؤتمر الدولى الثالث عشر للمستشرقين الذي عقد ببطرسبورغ في عام 1876 44 ؛ وقد ظلت تلك هي وجهة النظر السائدة إلى أيامنا هذه . وقد قام ماركفارت بدراسة خط سير أبى دلف إلى عاصمة الصين ( 1903 ) 45 ؛ ورغما من أن بارتولد قد أماط اللثام فيما يتعلق بإحدى تحقيقات ماركفارت عن مدى الخطورة التي تكمن في طيات فروضه إلا أنه عاد فاعترف بأن قصة الرحلة « مدلسة » ( « قصة أسفاره التي لا شك أنها مدلسة » ) ، واختتم كلامه بقوله « وما دامت قصة السفارة لا يسندها مصدر آخر يؤكد صحتها فسيظل محتاجا إلى جواب شاف مدى ارتباط هذه الرحلة ودوافعها بواقع الأحوال التاريخية » 46 . وإلى نفس هذه النتائج بالتقريب انتهى أحد البحاثه المتأخرين ممن عالجوا هذا الأثر وهو مينورسكى ( 1967 ) ، فهو يرى في الرحلة سلسلة من الوقائع التي لا يربط بينها شئ ، بعضها حقيقي وبعضها من نسيج الخيال 47 ، أما وصف طريق الرحلة فيرى فيه خلطا وتعقيدا شديدين ويعتبره خلوا من أية قيمة عملية 48 بحيث يضحى من الأفضل أن يؤخذ هذا الأثر بوصفه خلاصة للتصورات الجغرافية التي كانت سائدة في شرقي العالم الإسلامي آنذاك عن الصين وآسيا الوسطى والهند ، يعرضها أبو دلف عرضا يفتقر إلى الدقة والمهارة أضف إلى هذا أن نسبتها إليه تعتمد على مجرد افتراض . غير أن لهذه المسألة جانبا آخر أشبه ما عليه الأمر مع سلام الترجمان الذي مر ذكره يمنعنا من قبول ذلك الحل قبولا نهائيا : ذلكم أن رحلة أبى دلف إلى الصين واقعة حقيقية لا شك فيها . وتلك القصص الواردة على لسانه في « الفهرست 49 » ، وهو مصدر معاصر له تقريبا ، تحمل جميع الدلائل على رجحان حدوثها ولم تترك أدنى شك لدى خبير بالموضوع مثل فيران ( 1913 ) 50 - - . هذا ويلاحظ أن روسكا Ruska ، الخبير الكبير في تاريخ العلوم الدقيقة عند العرب ، يلفت النظر إلى أن قصة تسلق أبى دلف لجبل دماوند ( دنباوند ) « * » التي حفظها لنا القزويني تمثل شيئا طريفا للغاية وأن اهتمامه بظواهر الطبيعة يضطرنا إلى الوقوف موقف الاطمئنان من رواياته والبعد بها عن مواطن الرّيب الواهية 51 . هذا الفارق في التقدير الإيجابى للكاتب والتقدير السلبي للقصة المرتبطة برحلته من بخارى قد اضطر الباحثين إلى ترك الباب مفتوحا فيما يتعلق بمدى صحة نسبتها إليه لحين الحصول على معلومات جديدة ؛ وهو نفس الرأي الذي نادى به بارتولد وذلك عند تقييمه لمادة الرسالة من وجهة نظر التاريخ . وأول خطوة في هذا السبيل كانت الدراسة الدقيقة لمسودة مصنف أبى دلف التي حفظتها لنا مخطوطة مشهد في شكل رسالتين منفصلتين ؛ وهي نفس المخطوطة التي تضم قسما من مصنف ابن الفقيه وأيضا رسالة ابن فضلان . وبالرغم من أن الترجمة والبحث الذي قام به رور زاور Rohr - Sauer ( 1939 ) 52 لا يمكن اعتباره بأية حال من الأحوال دراسة شاملة إلا أنه قد تمخض عنه عدد من الاعتبارات الجديدة ،

--> ( * ) جبل دماوند Demavend قرب طهران وفي القاموس « دنباوند والعامة تقول دماوند » . ( المترجم )