اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
181
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الأولى لغلبتهم عليهم فأحببنا أن لا نخلى كتابنا هذا من ذكرهم وإن كنا قد ذكرنا سائر الممالك التي على وجه الأرض وما أزيل منها ودثر وما هو باق إلى هذا الوقت وأخبار ملوكهم وسياساتهم وسائر أحوالهم فيما سميناه من كتبنا على أنّا نعتذر من سهو إن عرض في تصنيفنا مما لا يسلم منه من لحقته غفلة الإنسانية وسهوة البشرية ثم ما دفعنا إليه من طول الغربة وبعد الدار وتواتر الأسفار طورا مشرقين وطورا مغربين كما قال أبو تمام : خليفة الخضر من يربع على وطن * في بلدة فظهور العيس أوطاني بالشأم قومي وبغداد الهوى وأنا * بالرّقتين وبالفسطاط إخواني وكقوله أيضا : فغربت حتى لم أجد ذكر مشرق * وشرقت حتى قد نسيت المغاربا خطوب إذا لاقيتهنّ رددننى * جريحا كأني قد لقيت الكتائبا ونحن آخذون فيما به وعدنا وله قصدنا وباللّه نستعين وإياه نسأل التوفيق والتسديد » 5 . والأبيات الأخيرة لأبى تمام التي يختتم بها المسعودي مقدمته تدل دلالة واضحة على مبلغ اهتمامه بالعرض الأدبي الذي يحتل أحيانا بالنسبة له المكانة الأولى . ولم يكن المسعودي بالطبع عالما بحاثة على غرار البيروني ولا متخصصا في الجغرافيا أو التأريخ بل كان أديبا قبل كل شئ وناشرا للمعارف على منهج الجاحظ أو ابن الفقيه مع ميل أكثر نحو الجدية ونحو الأسلوب القصصى . فهو قاصّ ماهر ، وفي كتابه الذي يغلب عليه التأريخ - - وهو « مروج الذهب » يقابلنا أفضل تصوير للحياة الاجتماعية والثقافية في عصر الخلافة ، فليس غريبا إذن أن يفتتن به في السنوات السبعينيات من القرن الماضي شخص عرف بتقديره لهذا النوع من العرض التاريخي وهو المؤرخ الفرنسي ارنست رينان Ernest Renan 6 . وقد أعاد المسعودي تنقيح كتابه هذا مرتين الأولى حوالي عام 336 ه - 947 والثانية حوالي عام 345 - 956 ، وفي هذا الكتاب فصول يغلب عليها الطابع الجغرافي وقد تتحول أحيانا إلى استطرادات مطولة ، مثال ذلك ما كتبه عن البحار والأنهار ، وقبائل العرب والكرد والترك والبلغار ، وعن دور العبادة عند جميع شعوب العالم خاصة في القوقاز . وطريفة ملاحظاته عن هجرات القبائل وعن الهند وعن الزنج ؛ والفصل الذي أفرده للصقالبة أضحى منذ أكثر من مائة عام موضوعا لبحث مستقل قام به شارموا Charmoy 7 ( 1834 ) ولبحث آخر لماركفارت 8 في أوائل القرن العشرين . وعلى الرغم من تقدم النقد العلمي فلا يزال عدد من مشاكل هذا الفصل في حاجة إلى الحل . ومنذ عهد غير بعيد ظهر رأى جديد يقول بأن دولة الديّره التي ذكرها المسعودي 9 إنما هي إمارة كييف Kiev وأنه يجب أن نبصر في هذا اللفظ اسم دير Dir الذي حكم في وقت واحد مع أسكولد Askold 10 . ولا تقلّ قيمة عن هذا رواية المسعودي عن حملات الروس يعد عام 912 - 913 على سواحل بحر قزوين الجنوبية إذ لا يفصله عن حوادثها أكثر من عشرة أعوام 11