اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
170
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
وليس في وسعنا إحصاء جميع المؤلفات العربية في الجغرافيا الإقليمية التي ظهرت في العصور التالية لذلك ؛ وقد ظل الوصف التاريخي الطوبوغرافى من أهم الأنماط التي افتتن بها المسلمون إلى أيامنا هذه لا في الأدب العربي وحده بل وفي الأدبين الفارسي والتركي أيضا . ومن بين المجموعة الضخمة لمصنفات هذا الأدب التي ترجع إلى القرن العاشر يجب أن نفرد مكانة خاصة لمصنف يقف فريدا في نوعه هو « صفة جزيرة العرب » للهمداني الذي يعتبره اشبرنجر Sprenger 82 إلى جانب كتاب المقدسي أقيم ما أنتجه العرب في الجغرافيا . ولم يكن هذا المؤلف معروفا للعلم الأوروبى قبل السنوات التسعينيات من القرن الماضي ، بل إن معلوماتنا عنه لا تزال ضئيلة للغاية إلى الآن ؛ وهذا أمر قد حدث مرارا لعدد من كبار الكتاب العرب ممن جروا على أنفسهم ريبة أهل السنة في الأجيال التالية . هذا ومما زاد في تعقيد المسألة وفي جهل المؤلفين المتأخرين به أن اسمه ورد في أشكال مختلفة ، فهو الحسن بن أحمد الهمداني ، وتدل النسبة على أنه من قبيلة همدان المعروفة في جنوب الجزيرة العربية . وقد جرت النسبة إلى الخطط بينه وبين ابن الفقيه الهمداني الذي مر ذكره والذي أخذ نسبته من مدينة همدان بإيران « * » ؛ وقد وقع ضحية هذا اللبس علماء كبار منذ منتصف القرن الماضي 83 . ومما ساعد على زيادة الغموض أنه كان يشار إليه أحيانا باسم جده ابن أبي الدمين ، كما لقب أيضا بابن الحائك الذي أطلقه عليه فيما يظهر خصومه . ولا يعرف عن تاريخ حياته سوى أنه ولد ونشأ بصنعاء وزار مكة وتوفى عام 334 ه - 945 بسجن صنعاء الذي كان سبب الزجّ به فيه كما تزعم الرواية قصيدة هزلية في حق رسول اللّه ؛ ولكن الراجح أن يكون السبب في ذلك دسائس أعدائه ضده . وفي مصنفاته ترتسم أمام ناظرينا شخصية فذة لوطنى متحمس وعالم متعدد النواحي وشاعر . وقد مرت بنا الإشارة عرضا إلى معرفته الواسعة في محيط الجغرافيا الفلكية ؛ وهو لم يكن جغرافيا فحسب بل وخبيرا كبيرا بأنساب العرب وتاريخ الجزيرة العربية نفسها ، خاصة آثارها القديمة ( Archaeology ) ، وهو أمر نادر بين العرب . ومما يدعو إلى الدهشة حقا - - أنه استطاع فك رموز الكتابة العربية القديمة في جنوب الجزيرة 84 ؛ ويقف مصنفه « الإكليل » الذي يقع في عشرة أجزاء دليلا ساطعا على سعة معارفه ، فقد أفرغ فيه جماع معرفته بالأنساب والتاريخ والآثار بل وحتى بأدب الحميريين سكان جنوب الجزيرة في القدم . ولم يكتف في كتابه بعرض المادة الأسطورية التي تجمعت في الأدب العربي بعد الإسلام بل بذل قصارى جهده ليقف منها موقف الناقد وذلك على ضوء دراسته المباشرة للنقوش التاريخية . وإلى عهد قريب لم يعرف من كتابه هذا سوى الجزئين الثامن والعاشر وذلك بفضل أبحاث مولر Mu ? ller الذي يرجع الفضل إليه في التعريف بالهمدانى في القرن التاسع عشر . وقد نشر وترجم الآن الجزء الثامن بفضل مجهودات العلماء العرب ببغداد وأمريكا 85 ؛ أما الجزآن الأول والثاني فقد كشف عنهما منذ وقت
--> ( * ) همدان بتسكين الميم القبيلة وبفتحها المدينة . ( المترجم )