اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

144

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

وفي الفترة التاريخية التي نعالجها في هذا الفصل كان الطريق البحري إلى الصين يعتبر أسهل الطرق المؤدية إلى تلك البلاد من أماكن نائية كسمرقند . ويحكى لنا المسعودي 204 أن أحد « التجار من أهل سمرقند من بلاد ما وراء النهر خرج من بلاده ومعه متاع كثير حتى أتى العراق فحمل من جهازها وانحدر إلى البصرة وركب البحر حتى أتى بلاد عمان وركب إلى كلّة وهي النصف من طريق الصين أو نحو ذلك . . . ثم ركب هذا التاجر من مدينة كلة في مراكب الصينيين إلى مدينة خانفوا وهي مرسى المراكب » . وبسبب إساءة لحقته عند جمع المكوس فقد سافر هذا التاجر إلى خمدان 205 شاكيا فظفر باستخلاص حقوقه 206 . وهكذا فإن الطريق الذي سلكه هذا السمرقندي يتفق بوجه عام مع الطريق الذي سافر به التاجر سليمان أو ابن وهب ؛ ومن المؤكد - - أن هذه الرحلة من آسيا الوسطى إلى الصين لم تكن الوحيدة من نوعها . ولا يوجد ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا الطريق البحري قد طغى على الطريق البرى نهائيا في ذلك العصر ، فالمسعودى يحكى كذلك : « وقد رأيت يبلخ شيخا جميلا ذا رأى وفهم وقد دخل الصين مرارا كثيرة ولم يركب البحر قط وقد رأيت عدة من الناس ممن سلك من بلاد الصغد على جبال النوشادر إلى أرض التبت والصين 207 » . وهذا الطريق الأخير تعرفه المصادر الصينية أيضا 208 . ومن العسير أن نحدد بالدقة أي طريق سلكه إلى الصين بعد قليل من ذلك الراهب النجراني الذي التقى به في عام 377 ه - 987 صاحب كتاب « الفهرست » وحفظ لنا عددا من حكاياته بلسانه ؛ وهو يبدأ فصلا من كتابه بالطريقة الآتية : « مذاهب أهل الصين وشئ من أخبارهم : ما حكاه لي الراهب النجراني الوارد من بلد الصين في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة هذا الرجل من أهل نجران أنفذه الجاثليق منذ نحو سبع سنين إلى بلد الصين وأنفذ معه خمسة أناسي من النصارى ممن يقوم بأمر الدين فعاد من الجماعة هذا الراهب وآخر بعد ست سنوات فلقيته بدار الروم وراء البيعة فرأيت رجلا شابا حسن الهيئة قليل الكلام إلا أن يسئل فسألته عما خرج فيه وما السبب في إبطائه طول هذه المدة فذكر أمورا لحقته في الطريق عاقته وأن النصارى الذين كانوا ببلد الصين فنيوا وهلكوا بأسباب وأنه لم يبق في جميع البلاد إلا رجل واحد وذكر أنه كان لهم بيعة خربت قال فلما لم أر من أقوم لهم بدينهم عدت في أقل من المدة التي مضيت فيها فمن حكاياته قال إن المسافات في البحر قد اختلفت وفسد أمر البحر وقلّ أهل الخبرة به وظهر فيه آفات وخوف وجزائر قطعت المسافات إلا أن الذي يسلم على الغرر يسلك » 209 . والملاحظات الأخيرة التي يمكن أن يحس منها أنها ثمرة تجربة شخصية تدفع إلى الاعتقاد بأن الرحلة قد تمت على أية حال بطريق البحر . إن حكايات الراهب النجراني مقتضبة في الواقع ولكنها تبلغ حد الطرافة 210 بالنسبة للتاريخ الحضارى