اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
134
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
فقد بعث بها إلى طرخان حاكم الخزر 94 وهي ترتبط برحلة سلّام الترجمان المشهورة إلى سد يأجوج ومأجوج التي سيأتي ذكرها بالتفصيل عند الكلام على الرحلات إلى شرقي العالم الإسلامي . ومن أهم الحوادث التي ساعدت على توسيع مدارك العرب عن أقطار الغرب في عهد الواثق كان بلا شك حادث افتكاك مسلم بن أبي مسلم الجرمي 95 من أسر البيزنطيين . ولسنا على بينة من حقيقة اسمه إذ يمكن قراءته الحزمى كما حدث أحيانا ، أو بصيغ أخرى . أما عن شخصه فلا يعرف سوى هذه القصة المتعلقة بإطلاق سراحه والتي حفظها لنا المسعودي ، وهي تمثل أهمية ليست بالضئيلة : « الفداء الثالث فداء خاقان في خلافة الواثق باللامس في المحرم سنة 231 ( الموافق سبتمبر 845 ) . . . . وفيه خرج مسلم بن أبي مسلم الجرمىّ وكان ذا معل في الثغور ومعرفة بأهل الروم وأرضها وله مصنفات في أخبار الروم وملوكهم وذوى المراتب منهم وبلادهم وطرقها ومسالكها وأوقات الغزو إليها والغارات عليها ومن جاورهم من الممالك من برجان والإبر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم وحضر هذا الفداء مع خاقان رجل يكنى أبا رملة من قبل أحمد بن أبي دؤاد قاضى القضاة يمتحن الأسارى وقت المفاداة فمن قال منهم بخلق التّلاوة ونفى الرؤية فودى به وأحسن إليه ومن أبى ترك بأرض الروم فاختار جماعة من الأسارى الرجوع إلى أرض النصرانية على القول بذلك وأبى مسلم الانقياد إلى ذلك فنالته محن ومهانة إلى أن تخلص » 96 . ولا تخلو التفصيلات الأخيرة من طرافة بالنسبة للتاريخ الفكري للخلافة ، فهي دليل على أن المذهب العقلي للمعتزلة كان لا يزال سائدا إلى ذلك العهد ومتمتعا بنفس القبول الذي تمتع به فيما بعد مذهب أهل السنة 97 . غير أن الأهمية الجوهرية بالنسبة لنا في هذه القصة هو القول بوجود مصنفات للجرمى ؛ وبالطبع لو كان قد تبقى لنا شئ منها لاستطعنا بلا ريب أن نصدر الحكم على كثير من المسائل المتصلة بتطور المعلومات الجغرافية عند العرب ، إلا أننا مع الأسف لا نعرف في الحقيقة من جميع مصنفاته سوى - - شذرة واحدة لا يعتور الشك صحة نسبتها إلى الجرمي وهي المتعلقة بتعداد الولايات البيزنطية ( Themata ) « * » وما يرتبط بذلك من وصف نظم تلك الدولة . وقد حفظ لنا هذه القطعة ابن خرداذبه ويرجع تاريخها إلى عام 885 ه 98 . وأغلب الظن أن المعلومات التي يوردها قدامة 99 عن بيزنطة ترجع إلى الجرمي خاصة وأنه توجد من بينها إشارات إلى أوقات الإغارة على آسيا الصغرى 100 الأمر الذي نوه إليه المسعودي عند كلامه على مصنفات الجرمي . ومسألة الجزم بوجود مقتطفات وشذرات لدى المؤلفين المتأخرين نقلوها عن مصادر قديمة مفقودة أو مجهولة العناوين من أصعب المسائل وأعسرها ؛ وقد أحسن بعض العلماء ، خاصة ماركفارت Markwart ، بميل شديد إلى أن ينسبوا إلى مسلم الجرمي جميع ما أورده الجغرافيون العرب بصدد الموضوعات التي ذكرها المسعودي عند كلامه على الجرمي 101 . والأمر الوحيد
--> ( * ) أو البنود كما يسميها العرب . ( المترجم )