اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

131

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

إن التسلسل التاريخي لظهور المصنفات المختلفة لبعض أنماط الجغرافيا الوصفية لم يكن واضحا على الدوام حتى للعرب أنفسهم في العهد المبكر . فصاحب كتاب « الفهرست » مثلا يذكر أن أول من صنّف في « المسالك والممالك » هو الأديب أبو عباس جعفر بن أحمد المروزي 64 ؛ وهذه الرواية يكررها ياقوت 65 بالرغم من أن ذلك الشخص قد توفى بالأهواز حوالي عام 274 ه - 887 أي عندما كان ابن خرداذبه قد فرغ من المسودة الأولى بل وربما من الثانية لكتابه الذي يحمل نفس العنوان 66 . ولم يحفظ لنا التاريخ أية معلومات عن كتاب المروزي هذا أو عن مصنفات أخرى له ، ومن المؤكد أنها لم تكتسب صيتا ما أو ذيوعا رغما عن إشارة ابن النديم التي تحمل طابع الاستحسان والإشادة . وقد تنسب إليه حكايات من وقت لآخر عند الجغرافيين المتأخرين ، فابن الفقيه 67 يروى عنه أسطورة تتعلق بحجر المطر 68 كما ينقل عنه أيضا روايات عديدة عن القبائل التركية ؛ وهذه الروايات تسوق إلى الافتراض بأن آثار المروزي كانت تضم مادة قيمة بالنسبة لاتحادنا السوفيتى خاصة فيما يتعلق بجغرافيا آسيا الوسطى . ويلي هذا من الناحية الزمنية في تثبيت نمط « المسالك والممالك » تلميذ الفيلسوف الكندي وصديقه أحمد بن محمد بن الطيب السرخسي ( توفى عام 286 ه - 899 ) 69 وهو يمثل نوعا نادرا من الكتاب في ميدان الأدب العربي وذلك بجمعه على السواء بين الاهتمام بالفلسفة والعلوم الدقيقة من جهة والأدب الفنى من جهة أخرى . ويمكن إرجاع اهتمامه بالأدب إلى اتصاله ببلاط الخليفة المعتضد الذي راح ضحية لسخطه عندما كان يشغل في آخر سنى حياته وظيفة المحتسب ببغداد . وفي ميدان الأدب الجغرافي ينضم السرخسي من ناحية إلى المدرسة الرياضية الجغرافية ذات النزعة اليونانية وهذا بالطبع كان نتيجة لتأثير أستاذه عليه ، ومن ناحية أخرى نراه يهتم بالجغرافيا الوصفية من طراز « المسالك والممالك » ؛ فتوجد له في المجال الأول رسالة « في البحار والمياه والجبال » 70 ترتبط ارتباطا وثيقا بمصنف مماثل لأستاذه مما جعل المسعودي يربط بينهما دائما عند وصفه للبحار ؛ ومن الجائز أنها نفس الرسالة التي يشار إليها أحيانا باسم - - « كتاب منفعة الجبال » 71 . ويذكر المسعودي 72 في موضع آخر أن السرخسي إلى جانب ذلك « قد صنف . . . كتابا حسنا في المسالك والممالك والبحار والأنهار وأخبار البلدان وغيرها » ؛ وهو معروف أيضا باسم « كتاب المسالك والممالك » 73 . وينقل ياقوت منه كثيرا خاصة فيما يتعلق بعصر المعتضد 74 الذي صحبه السرخسي في بعض أسفاره . ولو كانت جميع هذه المصنفات التي ذكرناها موجودة وفي متناول أيدي العلماء لاختلفت كثيرا لوحة التسلسل التاريخي لنشأة الأنماط المختلفة للجغرافيا الوصفية . ولكن ، وفي غير حاجة إلى دراسة القليل الذي حفظ لنا منها ، فإنه من الممكن أن نقرر على أساس ما أوردناه من حقائق أن الجغرافيا الوصفية بدأت تتخذ منذ النصف الثاني للقرن التاسع أنماطا ثابتة كما هو الحال مع الجغرافيا الرياضية التي سبقتها بقليل . وفيها انفسح المجال لا للفلكيين والرياضيين بل للغويين بصورة خاصة ، فهم الذين