عبد الله المرجاني

42

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

ولم يكن وضع الخلفاء بأفضل من السلاطين ، فقد تركوا الأمر على غاربه ونفضوا من تفكيرهم أي نفوذ أو تدخل في شؤون الدولة ، وذلك مذ قدموا إلى القاهرة ، إذ أخذ الحكم من آبائهم في بغداد ، وقتلوا ، أو أبعدوا على يد هولاكو طاغية التتار ، ففرّ منهم من فرّ خوفا من السيف ، واختفى من اختفى ، وشرد من شرد ، وأتى بهم السلاطين المماليك ، ورفعوا عنهم ما أصابهم ، وأعادوا إليهم بعض ما فقدوا ، وأعزوهم بعد ذل ، وحضنوهم بعد تشريد ، وجمعوا أمرهم بعد إختفاء ، فكيف يتدخل هؤلاء الخلفاء في شؤون من آواهم ، وأوضاع من نصرهم ورفعهم ؟ أو كيف ينافسونهم وينازعونهم ؟ وأصبح ذلك أمرا متبعا وطريقة سائرة ، فبقوا صورة في الحكم ، بل اسما ليس له دلالة على شيء ، وزاد أمر ما صاروا عليه عما كان عليه أسلافهم في بغداد في أسوأ أوضاعهم عندما كان يسيطر عليهم العسكريون من عرب أو ترك أو فرس ، وهذا ما جعل الخلفاء لا يعرفون ، ويختفون خلف السلاطين من المماليك الذين بيدهم الحل والعقد كله . 2 - ومن ناحية وضع سلاطين المماليك : حكم المماليك البحرية « 1 » مصر مدة أربع وأربعين ومائة سنة ( 648 - 792 ه ) ولقد كان أمر أكثر السلاطين الذين تولوا أمر البلاد ضعيفا ، والقليل منهم كان قويا ، وغالبا ما يحاول السلطان أن يؤسس أسرة تتولى الحكم من بعده ، وما أن يموت حتى يثب الجند على ولده فيخلعوه ويتولى

--> ( 1 ) وهم مماليك الصالح نجم الدين أيوب ( 637 - 647 ه ) الذين كثر عددهم ، وزادت تعدياتهم ، فضج منهم السكان ، فبنى لهم قلعة في جزيرة الروضة عام 638 ه ، فعرفوا ب « المماليك البحرية » كما عرفوا أيضا باسم « الصالحيين » نسبة إلى لقب سيدهم ، ويقال لهم « النجميين » نسبة إلى اسم سيدهم . انظر : محمود شاكر : التاريخ الاسلامي ، العهد المملوكي ص 36 .