عبد الله المرجاني
238
بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار
وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة : وقع الوباء ، وبلغ الرطل من التمر هندي أربعة دنانير « 1 » . وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة : اشتد الجوع والوباء بمصر ، وبيع اللوز والسكر وزنا بوزن الدراهم ، والبيضة بعشرة قراريط ، وخرج وزير صاحب مصر « 2 » ، ونزل عن بغلته فأخذها ثلاثة نفر ، فأكلوها ، فصلبوا ، فأصبح الناس لا يرون إلا عظامهم وقد أكلوا « 3 » . وفي سنة أربع وستين وأربعمائة : وقع الموت في الدواب ، حتى أن راعيا قام وقت الصباح إلى الغنم يسوقها ، فوجدها موتى كلها « 4 » . قلت : وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة : شاهدنا الطاعون الجارف على الحقيقة ، واستمر إلى نصف سنة خمسين ، طاف جميع الأرض ، وابتدأ من أدنى أقطار بلاد المشرق ، ومر إلى أن انتهى أقصى أقطار بلاد المغرب من جهة الجنوب ، ثم سار في الشمال إلى أن انتهى أقصى المشرق ، وبالجملة أنه طاف جميع الأرض ، وكان يموت بمصر أياما كل يوم نيف وسبعون ألفا ، ومات
--> ( 1 ) كذا ورد عند ابن الجوزي في المدهش ص 65 . ( 2 ) صاحب مصر هو : المستنصر باللّه معد ، أبو تميم العبيدي ، حكم مصر من سنة 427 - 487 ه ، وكان وزيره في سنة 462 هو : أبو عبد اللّه الماسكي . انظر : ابن تغري : النجوم 5 / 1 - 3 ، 83 . ( 3 ) كذا ورد عند ابن الجوزي في المدهش ص 66 ، وفي المنتظم 16 / 118 وتؤل عبارة المصنف أن الثلاثة المصلوبين أصبحوا « وقد أكلوا » بأن يحمل ذلك على أنهم أصبحوا وقد أكلت لحومهم سباع الحيوان والطير . وقد بالغ ابن الجوزي حين نقل عبارة المؤرخين عن حادثة سبقته بثلاثة قرون بلا إسناد فنقل عبارتهم بلا تمحيص ، والصواب أن ذلك يخرج من باب مبالغات المؤرخين في وصف شدة المجاعة ، ومعلوم أن أكل لحوم الإنسان ممنوع شرعا تحت أي ظروف غير واقع في تاريخ الاسلام ، وقد صح أن الصحابة أكلوا لحاء الشجر والهلعز حين كانوا في أيام الحصار بشعب أبي طالب . والفقهاء مجمعون على إباحة أكل الميتة من المأكول لحمه من الحيوان والطير وما لا يضر أكله من النبات عند الضرورة ، أما أكل لحم الإنسان فممنوع . ( 4 ) كذا ورد عند ابن الجوزي في المدهش ص 66 .