اليعقوبي

67

البلدان

عظيمة من الشارع الذي يأخذ من وادي إبراهيم بن رياح ، في كل صف حوانيت بها أصناف التجارات والصناعات والبياعات ، عرض كل صف مائة ذراع بالذراع السوداء لئلا يضيق عليه الدخول إلى المسجد إذا حضر المسجد في الجمع في جيوشه وجموعه ، وبخيله ، ورجله . ومن كل صف إلى الذي يليه دروب وسكك فيها قطائع جماعة من عامة الناس ، فاتسعت على الناس المنازل والدور . واتسع أهل الأسواق والمهن والصناعات في تلك الحوانيت ، والأسواق التي في صفوف المسجد الجامع ، وأقطع نجاح بن سلمة الكاتب في آخر الصفوف مما يلي قبلة المسجد ، وأقطع أحمد بن إسرائيل الكاتب أيضا بالقرب من ذاك ، وأقطع محمد بن موسى المنجم وإخوته وجماعة من الكتاب والقوّاد والهاشميين وغيرهم ، وعزم المتوكل أن يبتني مدينة ينتقل إليها ، وتنسب إليه ، ويكون له بها الذكر فأمر محمد بن موسى المنجم ومن يحضر بابه من المهندسين أن يختاروا موضعا ، فوقع اختيارهم على موضع يقال له الماحوزة . وقيل له : إن المعتصم قد كان على أن يبني ههنا مدينة ، ويحفر نهرا قد كان في الدهر القديم فاعتزم على ذلك وابتدأ النظر فيه في سنة خمس وأربعين ، ووجّه في حفر ذلك النهر ليكون وسط المدينة فقدر النفقة على ألف ألف وخمسمائة ألف دينار ، فطاب نفسا بذلك ورضي به وابتدأ الحفر وأنفقت الأموال الجليلة على ذلك النهر واختطّ موضع قصوره ومنازله . وأقطع ولاة عهوده وسائر أولاده وقوّاده وكتّابه ، وجنده ، والناس كافة ، ومدّ الشارع الأعظم من دار أشناس التي بالكرخ ، وهي التي صارت للفتح بن خاقان مقدار ثلاثة فراسخ إلى قصوره . وجعل دون قصوره ثلاثة أبواب عظام جليلة يدخل منها الفارس برمحه ، وأقطع الناس يمنة الشارع الأعظم ويسرته ، وجعل عرض الشارع الأعظم مائتي ذراع ، وقدّر أن يحفر في جنبي الشارع نهرين يجري فيهما الماء من النهر الكبير الذي يحفره . وبنيت القصور وشيّدت الدور ، وارتفع البناء وكان يدور بنفسه ، فمن رآه قد جدّ في البناء أجازه وأعطاه ، فجدّ الناس . وسمّى المتوكل هذه المدينة الجعفرية « 1 » ؛ واتصل البناء من الجعفرية إلى

--> ( 1 ) الجعفرية : منسوبة إلى جعفر ، المتوكّل على اللّه ، وهي محلّه كبيرة أو مدينة كبيرة مشهورة في