اليعقوبي
57
البلدان
أيضا ، ثم قال أرض القاطول غير طائلة وإنما هي حصار وأفهار « 1 » ، والبناء بها صعب جدا وليس لأرضها سعة ، ثم ركب متصيّدا فمر في مسيره حتى صار إلى موضع سر من رأى صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة بها ولا أنيس فيها إلا دير للنصارى ، فوقف بالدير وكلم من فيه من الرهبان ، وقال ما اسم هذا الموضع ؟ فقال له بعض الرهبان : نجد في كتبنا المتقدمة أن هذا الموضع يسمى سر من رأى ، وأنه كان مدينة سام بن نوح وأنه سيعمر بعد الدهور على يد ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن وجوههم وجوه طير الفلاة ينزلها وينزلها ولده . فقال : أنا واللّه أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي ، ولقد أمر الرشيد يوما أن يخرج ولده إلى الصيد فخرجت مع محمد والمأمون ، وأكابر ولد الرشيد فاصطاد كل واحد منا صيدا ، واصطدت بومة ، ثم انصرفنا ، وعرضنا صيدنا عليه فجعل من كان معنا من الخدم يقول هذا صيد فلان ، وهذا صيد فلان حتى عرض عليه صيدي فلما رأى البومة ، وقد كان الخدم أشفقوا من عرضها لئلا يتطيّر بها أو ينالني منه غلظة ، فقال من صاد هذه ؟ قالوا : أبو إسحاق فاستبشر وضحك وأظهر السرور ؛ ثم قال : أما أنّه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه ، والغالبون عليه قوما وجوههم مثل وجه هذه البومة فيبني مدينة قديمة ، وينزلها هؤلاء القوم ثم ينزلها ولده من بعده . وما سر الرشيد يومئذ بشيء من الصيد كما سر بصيدي لتلك البومة . ثم عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع فأحضر محمد بن عبد الملك الزيّات « 2 » ، وابن أبي دؤاد ، وعمر بن فرج ، وأحمد بن خالد المعروف بأبي الوزير ، وقال لهم اشتروا من أصحاب هذا الدير هذه الأرض ، وادفعوا إليهم ثمنها أربعة آلاف دينار « 3 » ففعلوا ذلك ثم أحضر المهندسين ، فقال اختاروا أصلح هذه المواضع ،
--> ( 1 ) أفهار : مفردها فهر ، وهو حجر رقيق تسحق به الأدوية . ( القاموس المحيط ، مادة : فهر ) . ( 2 ) محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة ، أبو جعفر ، المعروف بابن الزيّات ، وزير المعتصم ، والواثق العباسيين ، وعالم باللغة والأدب ، من بلغاء الكتّاب والشعراء . ولد سنة 173 ه / 789 م . نشأ في بيت تجارة في الدسكرة قرب بغداد ، ونبغ ، فتقدّم حتى بلغ رتبة الوزارة ، وعوّل عليه المعتصم في مهام دولته ، وكذلك ابنه الواثق . ولما مرض الواثق عمل ابن الزيّات على تولية ابنه وحرمان المتوكّل ، فلم يفلح ، وولي المتوكّل فنكبه ، وعذّبه إلى أن مات ببغداد سنة 233 ه / 847 م . وكان من العقلاء الدهاة ، وفي سيرته قوة وحزم . ( 3 ) ورد في معجم البلدان ( 3 / 196 ) : « أن المعتصم أمر أبا الوزير أحمد بن خالد الكاتب بأن يأخذ مائة ألف دينار ويشتري بها بناحية سرّ من رأى موضعا يبني فيه مدينة ، فقال أبو الوزير :