اليعقوبي

20

البلدان

ولا كأرمينية ، النائية الباردة ، الصردة « 1 » الحزنة التي يحيط بها الأعداء ، ولا مثل كور الجبل ، الحزنة ، الخشنة ، المثلجة ، دار الأكراد « 2 » ، الغيلظي الأكباد . ولا كأرض خراسان ، الطاعنة في مشرق الشمس ، التي يحيط بها من جميع أطرافها عدوّ كلب ، ومحارب حرب . ولا كالحجاز « 3 » ، النكدة المعاش ، الضيقة المكسب ، التي قوت أهلها من غيرها ، وقد أنبأنا اللّه عز وجل في كتابه عن إبراهيم خليله عليه السّلام فقال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [ إبراهيم : 37 ] . ولا كالتبت ، التي بفساد هوائها ، وغذائها تغيرت ألوان أهلها ، وصغرت أبدانهم ، وتجعّدت شعورهم ، فلما علموا أنها أفضل البلدان نزلوا مختارين لها ، فنزل أبو العباس أمير المؤمنين وهو عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الكوفة أول مرة ، ثم انتقل إلى الأنبار « 4 » ، فبنى مدينة على شاطىء الفرات ، وسماها

--> ( 1 ) الصردة : المرتفعة الجبال الباردة . ( المنجد في اللغة والإعلام ، مادة : صرد ) . ( 2 ) الأكراد : وهم الذين كان منهم بنو أيوب ملوك مصر بعد الفاطميين . قال في العبر : هم من بني إيران بن أشور بن سام بن نوح عليه السّلام ، قال المقر الشهابي بن فضل اللّه في كتابه « التعريف » ويقال في المسلمين الكرد ، وفي الكفار الكرج ، وحينئذ فيكون الكرد والكرج نسبا واحدا . ( صبح الأعشى ج 1 / ص 424 ) . ( 3 ) الحجاز : بالكسر وآخره زاي ، قيل : في الحجاز وجهان : يجوز أن يكون مأخوذا من قول العرب حجز الرجل بعيره يحجره إذا شدّه شدّا يقيّده به ، ويقال للحبل حجاز ، ويجوز أن يكون سمّي حجازا لأنه يحتجز بالجبال . والحجاز جبل يمتدّ حالّ بين الغور غور تهامة ونجد فكأنه منع كلّ واحد منهما أن يختلط بالآخر فهو حاجز بينهما ، وهذه حكاية أقوال العلماء . ( معجم البلدان ج 2 / ص 252 ) . ( 4 ) الأنبار : بفتح أوله ، مدينة قرب بلخ وهي قصبة ناحية جوزجان وبها كان مقام السلطان ، وهي على الجبل ، وهي أكبر من مرو الروذ بالقرب منها ، ولها مياه وكروم وبساتين كثيرة ، وبناؤهم طين ، وبينها وبين شبورقان مرحلة من ناحية الجنوب ، والأنبار : مدينة على الفرات في غربي بغداد - ولعلها هي المذكورة في متن هذا الكتاب - بينهما عشرة فراسخ ، وكانت الفرس تسمّيها فيروز سابور ، وكان أوّل من عمّرها سابور بن هرمز ذو الأكتاف ، ثم جدّدها أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس ، وبني لها قصورا وأقام بها إلى أن مات ، وقيل سميت الأنبار لأن بخت نصّر لما حارب العرب الذين لا خلاق لهم حبس الأسرى فيها . وقيل : الأنبار حدّ بابل سميت به لأنه كان يجمع بها أنابير الحنطة ، والشعير ، والقت ، والتبن ، وكانت الأكاسرة ترزق أصحابها منها ، وكان يقال لها : الأهراء ، فلما دخلت العرب